الجهوية المتقدمة في ضوء النموذج التنموي الجديد –  نوفل ادروز

ومن شأن هذه الوسيلة أن تتيح خلق إطار ملائم، لتشجيع وتحديد مبادرات ومشاريع صاعدة من طرف فعاليات المجتمع المدني المحلي، تستجيب لمختلف التحديات والمتطلبات الاجتماعية الترابية.

كما تقترح اللجنة أيضا، ضرورة إعادة التفكير في توزيع الخدمات العمومية بالعالم القروي عبر استثمار “الدائرة” باعتبارها حلقة وسيطة بين الجماعة والإقليم، والارتقاء بمكانتها من مجرد وحدة إدارية كما هو عليه الحال الآن إلى بنية للتنسيق قائمة بذاتها، لتصبح الدائرة وحدة إدارية للقرب ونقطة التقاء في جدلية الاعتماد المتبادل في معادلة المجال الحضري والمجال القروي.

وفي هذا السياق انتقد الأستاذ ” أحمد حضراني” مسألة اعتبار “الدوار” كوحدة ترابية أساسية، وتساءل هل ستدرج في إطار اللاتمركز الإداري أم اللامركزية الترابية؟ لاسيما وأن التقرير استعمل عبارة ” وحدة ترابية”. وإذا كان التقرير يقترح جماعة ترابية أخرى فهذا الأمر خطير –حسب تعبيره- حيث سيؤدي هذا إلى تضخم على مستوى الهياكل الترابية، في الوقت الذي ينادي فيه البعض إلى حذف المجالس الإقليمية نظرا لدورها الباهت، والاكتفاء فقط بمجالس الجماعات –القاعدية- ومجالس الجهات[19].

وباستحضار السياق التاريخي سنجد أن المهدي بنبركة سبق أن نادى في محاضرة له ألقاها في صيف 1957 – بمناسبة تخرج فوج جديد من رجال السلطة من مركز التكوين بأكدال التابع لوزارة الداخلية-، بتدبير شؤون ” العالم القروي” من قبل مجالس قروية في حدود ترابية معينة – تضم عدد معين من السكان، يكون على رأسها منتخب يعبر من خلالها سكانها عن حاجاتهم المحلية، مع توسيع الحريات السياسية للمواطنين من خلال تسيير الفلاحين والتجار والحرفيين شؤونهم بأنفسهم في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتربوية، وأن يقتصر دور ممثلي السلطة أي العامل ورؤساء الدواوير والقائد مساعدة المنتخبين فقط في تدبير شؤونهم اليومية[20].

وبهذا المقترح يكون المهدي بنبركة قد نحا في اتجاه إقرار ديمقراطية تقوم على أساس التدبير المحلي لشؤون السكان بأنفسهم من خلال تقسيم ترابي يتم تعريفه وتحديده وتنميطه من منطلق أساسي هو: أن كل دوار أو مدشر أو حي يجب أن يشكل، ويكون موضوع جماعة ترابية محلية، تضم مجموعة من السكان لهم حدود معروفة ومضبوطة، ولهم خصوصيات ومميزات، وقيم اجتماعية وعادات وتقاليد وأعراف وأمجاد، أفرزتها الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية[21].

صفوة القول، إن مقترح لجنة النموذج التنموي الجديد المتمثل في تسريع التنزيل الفعلي لورش الجهوية المتقدمة، يبقى مجرد رؤية إصلاحية-حالمة ذات طابع استشاري، ولا يمكن تنزيلها بشكل فعلي دون توفر إرادة سياسية من طرف مختلف صناع القرار العمومي على المستويين الوطني والترابي.

هذه الإرادة التي ينبغي أن تترجم من خلال تبني استراتيجية تأخذ مصالح المواطنين كأولوية، وخلق شبكة أو مناخ أنسب للتواصل يشارك فيه مختلف الفاعلين –من بينهم المجتمع المدني – بغية بلورة خارطة طريق لبحث سبل تنزيل أنجع لهذا الورش الملكي الاسترايتيجي، وصناعة قرار عمومي منسجم، يتفاعل بشكل حقيقي مع متطلبات النموذج التنموي الجديد.

[1]  تقريرالنموذج التنموي الجديد: تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع، التقرير العام، أبريل 2021، منشور على الموقع الإلكتروني www.csmd.ma.

[2]  هذا ما ورد بملخص المشاورات والمساهمات، راجع موقع لجنة النموذج التنموي.

[3]  دستور المملكة لسنة 2011 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-11-91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 ( 29يوليو (2011، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 من شعبان 1432 ( 30 يوليو 2011.(

[4]  ظهير شريف رقم 1.15.83 صادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليو 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 متعلق بالجهات، جريدة رسمية عدد 6380 بتاريخ 6 شوال 1436 (23 يوليو 2015).

[5]  محمد نبيه، الجهوية المتقدمة بين اللامركزية واللاتمركز (الجانب القانوني والمحاسبي)، الطبعة الأولى 2019، ص 252.

[6]  محمد نبيه، الجهوية المتقدمة بين اللامركزية واللاتمركز… ، مرجع سابق، ص 252.

[7]  محمد نبيه، مرجع سابق، ص 252.

[8]  تقريرالنموذج التنموي الجديد، ص 118.

[9]  أنظر تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي، متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات إدماج السياسة القطاعية، إحالة ذاتية رقم 22-2016.

[10]   لحسن ملال وزهير لعميم، متطلبات اللاتمركز الإداري في ظل الجهوية المتقدمة، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية/ألمانيا-برلين-العدد الرابع عشر شباط-فرابير 2022، ص166.

[11]    ملف المالية المحلية: تكريس فعالية التدبير العمومي، مساهمة الدولة في موارد الجماعات الترابية، مجلة المالية العدد 29-يناير 2016، ص 10.

[12]  تقرير النموذج التنموي الجديد، ص 118.

[13]  تقرير النموذج التنموي الجديد، ص 119.

[14]  تقرير النموذج التنموي الجديد، ص 118.

[15]  ملف المالية المحلية: تكريس فعالية التدبير العمومي، مساهمة الدولة في موارد الجماعات الترابية، مرجع سابق، ص 10.

[16]  محمد نبيه، مرجع سابق، ص 200.

[17]  محمد نبيه، مرجع سابق، ص 200.

[18]  مصطفى بلكوزي، الجهوية المتقدمة رافعة لإنجاح النموذج التنموي الجديد، قراءات متقاطعة حول مكانة ودور الإدارة في التقرير حول النموذج التنموي الجديد، إصدارات المرصد المغربي للإدارة العمومية -يناير 2022، ص 29.

[19]  بمناسبة دورة تكوينية نظمت بمقاطعة المعارف بالدار البيضاء بتاريخ 11 نونبر 2021 بعنوان ” الحكامة الترابية في تنزيل النموذج التنموي الجديد”، من تأطير الأستاذين أحمد حضراني والمختار المنتظم (الدورة متوفرة بموقع اليوتيوب).

 

المصدر:https://www.droitetentreprise.com/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%87%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%82%d8%af%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b6%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%85/

عن safae wazani

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.