الغرامة الجنائية في التشريع المغربي – عدنان السباعي

عدنان السباعي

 

باحث في المادة الجنائية

 

خريج ماستر العلوم الجنائية والدراسات الأمنية بطنجة

 

مقدمة:

 

ان العقوبة عبارة عن إتيان السلوك الإجرامي ونتيجة لازمة وبدونها فإنها تعد مجرد لوم اجتماعي وأخلاقي يرجى من ورائه ردع عام يمنع الآخرين من سلوك المدان وردع خاص يمنع المسؤول جنائيا نفسه عن تكرار الجريمة.

 

وقد عرفت العقوبة مجموعة من التطورات مع تطور فلسفة الأنظمة العقابية الحديثة، فاستبدل منها ما استبدل حسب التوجه الأمني والحقوقي في كل دولة، وعدل منها ما عدل تبعا لما وجدت من انتقادات من رواد الفلسفة العقابية الحديثة، ولما كانت الدراسة مقتصرة على الغرامة الجنائية باعتبارها عقوبة مالية شكلت من إدخالها للنظم العقابية، موردا خاصا لخزينة الدولة وجبرا للضرر الذي خلفته الجريمة، بالإضافة إلى أنها عقوبة تمس الذمة المالية للمحكوم عليه بها، فتنقص من ماله وتفقره مما يشعره بالتحقير والإيلام.

 

فالغرامة الجنائية كعقوبة مالية لها أبعاد فضلى للدولة، بحيث أنها لا تكلفها ميزانية تأمين المحكوم عليه داخل أسوار السجون، اللهم إذا اقترنت بعقوبة سالبة للحرية بالإضافة إلى أنها فلسفة عقابية متقدمة لا تؤدي إلى مخالطة ذوي المخالفات والجنح البسيطة خاصة التي تكون مرتبطة بالمال والأعمال مع المجرمين في المؤسسات العقابية والإصلاحية، بما يؤدي إلى صقل خبراتهم الإجرامية وتطويرها الأمر الذي يخلق منهم مجرمين محترفين.

 

فالغرامة الجنائية عقوبة مرنة يمكن ان تتوافق مع فئة كبيرة من المجتمع وحتى إن لم يتم تنفيذها، اما لامتناع المحكوم عليه أو لديه ذمة مالية فارغة آنذاك يتم تفعيل مسطرة الإكراه البدني، وهذه عقوبة قليلة الأثر على المحكوم عليه بحيث يتم تنفيذها خارج أسوار السجون اللهم إلا إذا لم تكن مقترنة بعقوبة سالبة للحرية وبالتالي فهي لا تفقد صفة أنها عقوبة شخصية.

 

والغرامة الجنائية قد تكون عقوبة أصلية أو تكميلية، فهي كعقوبة أصلية تطبق على الشخص الطبيعي وأيضا المعنوي، فالنسبة للشخص الطبيعي تجد مجالها في الجنح والمخالفات كعقوبة جزائية لوحدها، أو مع الحبس على سبيل الوجوب او الاختيار، ولا تعد عقوبة أصلية في الجنايات لخطورة هذه الجرائم كون الغرامة لا يمكنها أن تحقق أغراض العقوبة في هذا النوع من الجرائم.

 

ولكي تحقق الغرامة أغراضها لا بد من تنفيذها، والتنفيذ الاختياري هو الطريق العادي لانقضائها، وإذا لم يفعل ذلك يتعرض إلى وسيلة جبرية هي الإكراه البدني لانقضائها، ويتم تحديد الغرامة قانونا إما بين حدين أدنى وأقصى وهو الوضع الغالب أو بمقدار ثابت، وتسمی غرامة عادية أو يحددها بطريقة تتناسب مع مقدار الكسب الذي أراد الجاني تحقيقه أو حققه فعلا من جريمته وتسمى غرامة نسبية وتكثر هذه الأخيرة بصفة خاصة في التشريعات الجنائية ذات الطابع الاقتصادي.

 

اذا فما مفهوم الغرامة الجنائية؟ وما مدى تمييزها عن بعض الأنظمة المشابهة؟ وما هي الجهات المكلفة باستخلاصها؟ وما هي مسطرة تحصيل الغرامة الجنائية والإشكالات العملية التي تثيرها ومقترحات تجاوزها؟.

 

وللإجابة عن هذه الإشكالات فإننا سنتطرق في دراستنا للموضوع الى مبحثين أساسيين، حيث سنتحدث عن الإطار الموضوعي للغرامة الجنائية (المبحث الأول)، ثم سنعرج للحديث عن الإطار الإجرائي للغرامة الجنائية (المبحث الثاني).

 

المبحث الأول: الإطار الموضوعي للغرامة الجنائية

 

سنتطرق في هذا المبحث الى دراسة ماهية الغرامة الجنائية (المطلب الأول)، ثم سنتحدث عن جهات الإشراف واستخلاص الغرامات الجنائية (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول: ماهية الغرامة الجنائية

 

ان الغرامات متعددة الأصناف والغايات، فالغرامة الجنائية قررها القانون لمعاقبة مرتكبي الجريمة، بينما الغرامة المدنية قررت من أجل أفعال لا تعد جرائم جنائية وانما فرضت في قوانين المسطرة كجزاء خاص، وهناك غرامات مالية في ميدان الجمارك ولها صفتين صفة جنائية وصفة مدنية، فهي بمثابة تعويض عن الضرر الذي وقع على الخزينة، وفي نفس الوقت تعتبر جنائية بنص قانوني، وهناك الغرامات الإدارية التي تصدرها الإدارة، وأخيرا هناك ما يسمى بالغرامات التهديدية التي شرعت كوسيلة من وسائل التنفيذ العيني والتي فرضت من اجل الزام المدين الممتنع عن تنفيذ التزامه.

 

وعليه فإننا سنتطرق إلى مفهوم الغرامة (الفقرة الأولى)، وكذلك التمييز بين كل من الغرامة الجنائية والمدنية والإدارية والتهديدية (الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى: مفهوم الغرامة الجنائية

 

ان المشرع المغربي عرف الغرامة في الفصل 35 من القانون الجنائي المغربي حيث ينص على انه: “إلزام المحكوم عليه بأن يؤدي لفائدة الخزينة العامة مبلغا معينا من النقود بالعملة المتداولة قانونا في المملكة”.

 

وهذا التعريف لم يصنف الغرامة في تركيبها من أي أنواع العقوبات الأصلية، كما لم يذكر السبب الداعي لهدا الالتزام بالأداء، علما أن بعض العقوبات المالية المدنية والدعائر والعقوبات الإدارية قد تؤدي بدورها لفائدة الخزينة العامة.

 

فالغرامة هي الجزاء الموقع على المحكوم عليه من طرف محكمة مختصة، نتيجة عمل يعتبره المشرع جريمة، تؤدي بعد صيرورة الحكم نهائيا لفائدة الخزينة العامة، مع الصائر وبالعملة المتداولة قانونا في المملكة، وقد عرف المشرع العراقي الغرامة من خلال المادة 91 من قانون العقوبات لسنة 1929 حيث ينص على انه: “إلزام المحكوم عليه بان يدفع إلى الخزينة العامة المبلغ المعين في الحكم”.

 

الفقرة الثانية: تمييز الغرامة الجنائية عن بعض الأنظمة المشابهة

بالرجوع لمجموعة من النصوص القانونية التي وضعها المشرع في قوانين وتشريعات مختلفة، نجده يلتجأ لاستعمال لفظ الغرامة بمجموعة من الدلالات يمكن رصدها في مجموعة من المقتضيات القانونية والتي يمكن سرد بعضها كما يلي:

 

جاء في الفصل 48 من ظهير التحفيظ العقاري القديم أن: “كل طلب للتحفيظ أو تعرض عليه ثبت للمحكمة صدوره عن تعسف أو كيد أو سوء نية، يوجب ضد صاحبه غرامة لفائدة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية لا يقل مبلغها عن عشرة في المائة من قيمة العقار أو الحق المدعى به والكل دون المساس بحق الأطراف المتضررة في التعويض. إن المحكمة التي أحيل عليها مطلب التحفيظ لها صلاحية الحكم تلقائيا بالغرامة والبت، عند الاقتضاء في طلبات التعويض.”

 

وأورد المشرع في قانون المسطرة المدنية في الفصل 407 على أنه: “يحكم على الطرف الذي خسر طلب إعادة النظر بغرامة يبلغ حدها الأقصى ألف درهم أمام المحكمة الابتدائية وألفين وخمسمائة درهم أمام محكمة الاستئناف وخمسة آلاف درهم أمام المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) بدون مساس عند الاقتضاء بتعويضات للطرف الآخر.

 

كما جاء الفصل 448 من نفس القانون أنه: “إذا رفض المنفذ عليه أداء التزام بعمل أو خالف إلزاما بالامتناع عن عمل، أثبت عون التنفيذ ذلك في محضره، وأخبر الرئيس الذي يحكم بغرامة تهديدية ما لم يكن سبق الحكم بها. يمكن للمستفيد من الحكم أن يطلب علاوة على ذلك التعويض من المحكمة التي أصدرته”.

 

وفي المادة 3-78 من مدونة التجارة تنص على انه: “يجب أن تحدد الشروط المتعلقة بأداء غرامة وعن التأخير تستحق ابتداء من اليوم الموالي لأجل الأداء المتفق عليه بين الأطراف، ولا يمكن لسعر هذه الغرامة أن تقل نسبتها عن سعر يحدد بمقتضى نص تنظيمي… “.

 

كما سبقت الإشارة فالمشرع عمل على إيراد مصطلح الغرامة بدلالات مختلفة، منها الدلالة الزجرية فبموجب البعد الزجري يتخذ هذا المفهوم معنى العقوبة المقررة للفرد الذي اقترف فعلا مخالفا لمجموعة القانون الجنائي، أيكل من سولت له نفسه مخالفة قاعدة قانونية جنائية سواء بإتيان فعل أو الامتناع عن القيام بفعل، أمر بهما القانون الجنائي وألحق ضررا بالأمن والاستقرار الاجتماعيين.

 

وعلى غرار ذلك فإنه لا يتصور أن تكون الغرامة بمفهومها الزجري محل تنازل أو تفاوض بين الأطراف، وإنما يستقل القاضي الزجري بالبت فيها في إطار ما يتمتع به من سلطة تقديرية، وبالتالي فإن إرادة الأفراد غير نافذة فيها؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن قاضي الموضوع لا يمكن له النطق والحكم بها إلا بعد تحريك المتابعة من طرف النيابة العامة، وهو ما يجعل الغرامة باعتبارها عقوبة تختلف عن العقوبة باعتبارها جزاء مدني.

 

وإذا كانت الغرامة بمفهومها غير الزجري مستحقة ليس فقط للخزينة العامة بل للأشخاص الطبيعيين أو المعنويين الخاضعين لأحكام القانون الخاص كذلك أو الذين أعطاهم المشرع حق استخلاص غرامات وفق ما أشير إليه أعلاه، فإن الأمر غير ذلك بالنسبة للغرامة بمفهومها الزجري، حيث لا تستحق إلا للخزينة العامة وتحمي جبايتها بموجب قواعد آمرة لا دخل فيها إرادة المحكوم عليه بها، إذ أن هذا الأخير يبقى رهين سلطة النيابة العامة والخزينة العامة التي قد تباشر في حقه مسطرة الإكراه الجبري من أجل الأداء لعلة أن الغرامة بمفهومها الزجري من حيث طبيعتها تعتبر دینا عاما، على عكس الغرامة في مفهومها غير الزجري التي تتخذ دلالة الدين الخصوصي في بعض الأحوال ودينا عموميا في أحوال أخرى، وكما هو معلوم فإن أحكام تحصيل كلا الدينين مختلفة ويتعين اتخاذ ذلك الاختلاف بعين الاعتبار عند مرحلة التحصيل.

 

وما يلاحظ من هذه النصوص التي جاءت متنوعة أن المشرع عمل على توظيف مصطلح الغرامة بمفهوم مدني يتخذ دلالة التعويض في أحوال متعددة.

 

فقد يكون لمفهوم الغرامة ذلك الجزاء المدني المقرر عن التعسف في استعمال الحق، إذ أن الأطراف يسمح لهم المشرع بأن يمارسوا حقا معينا لكن في حدود ومتی ثبت أنهم استعملوا ذلك الحق في غير الوجهة التي مكنها إياهم المشرع؛ فإن هذا الأخير يفرض عليهم أداء جزاء مالي جراء ما مارسوه من تعسف وهو ما أشار إليه المشرع مثلا في الفصلين 48 من ظهير التحفيظ العقاري القديم والفصل 407 من قانون المسطرة المدنية، ففي كلتا الحالتين فإن المشرع أثقل كاهل الطرف المتعسف في ممارسة حقه بأن يؤدي مبلغا ماليا عن ذلك لفائدة الخزينة العامة، لكن هذا الواجب لم يكن إلا في حالة الدفاع على مصلحة خاصة، إذ قد يختلط مفهوم الغرامة في هذه الحالة عن الغرامة الجنائية والتي تستحق بدورها للخزينة العامة.

 

وهناك حالة أخرى يستعمل فيها المشرع لفظ الغرامة بمعنى التعويض عن التماطل في أداء دين ما لفائدة الدائن، كما هو الحال بالنسبة لما أورده المشرع بالفصل 3-78 من مدونة التجارة، حيث ان المشرع عمل على تنظيم كيفية تحديد التعويض الناشئ عن إخلال المدين بالتزام أداء الدين عند حلول أجله، وفي هذا الصدد فإن المبلغ المالي المحدد كجزاء يستحق لفائدة الدائن وليس للخزينة العامة كما هو الأمر في حالة التعسف في استعمال حق قانوني.

 

وفي حالة إلزام أحد الأطراف إما بموجب القانون أو بموجب حكم قضائي بالقيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل، فإن هذا الإلزام يجبر عليه صاحبه بموجب جزاء مدني يتخذ شكل مبلغ مالي مقرر لفائدة الدائن، كما هو الأمر بالنسبة للحالة الواردة بالفصل 448 من قانون المسطرة المدنية.

 

و في كل الأحوال التي ذكرت وغيرها من الأحوال ذات الصفة المشتركة، فإن المشرع أوكل للمحكمة غير الزجرية اختصاص البت في مثل هذه الجزاءات، وعلى ذلك فكلما عرض على المحكمة نزاع بين أطراف طلبوا منها البت لهم في مثل هذه النزاعات فإنها تختص بالفصل في مثل هذه الطلبات بصورة تلقائية، كما أن المشرع قد يعطي لبعض الإدارات التي تقدم خدمات عمومية للمرتفقين إمكانية استخلاص مثل هذه الأداءات المالية كما هو الشأن بالنسبة للمحافظة العقارية.

تمييز الغرامة الجنائية عن الغرامة المدنية:

إن الغرامة بمفهومها المدني يمكن تمييزها عن الغرامة كعقوبة زجرية في ما يلي:

 

* أن الغرامة كجزاء مدني تهدف إما إلى تعويض ضرر حصل من جراء فعل المدين أو في حالة التعسف في استعمال الحق، لكن في إطار الاعتداء على الحقوق الخاصة والمصالح التي ارتأى المشرع أن يحميها حماية خاصة بخلاف الغرامة بمفهومها الزجري.

 

* أن الغرامة باعتبارها تعويضا مدنيا في حالة الإخلال بالقيام بالتزام لصالح شخص ما، فإنه يمكن لمن له الحق فيها أن يتنازل عنها لفائدة المدين بها.

 

* أن الغرامة باعتبارها دینا مدنيا، وفي الحالات التي لا يحددها المشرع، يمكن أن يتم التفاوض بشأنها من أجل تحديد مقدراها، كما يمكن في هذه الحالة للمحكمة أن تتدخل بسلطتها التقديرية من أجل تعديل المبلغ المتفق عليه لصالح أحد الطرفين وفي حدود الشروط التي نص عليها المشرع.

 

تمييز الغرامة الجنائية عن الغرامة الإدارية:

اذا كانت الغرامة الجنائية عبارة عن إلزام المحكوم عليه بان يدفع إلى الخزينة العامة للدولة المبلغ المقدر في حكم المترتب عن الجريمة، فإنها تتميز عن الجزاءات المالية الإدارية بخصائص مميزة، ذلك أن غرامات التأخير التي تطبق في حال الإخلال بالتزامات واردة في عقود إدارية تعتبر من قبيل الجزاءات الاتفاقية التي توقعها الادارة بنفسها دون الحاجة الى الالتجاء الى القضاء وأحيانا أخرى تستند الإدارة في فرض هذا الجزاء على نص تشريعي.

 

كما يبدو هذا التمييز واضحا عندما يكون الجزاء في صورة قرار إداري أوكل إلى السلطة الإدارية بمقتضى نصوص خاصة تطبقه لزجر بعض الجرائم الاقتصادية، كما هو الشأن بالنسبة للقانون المتعلق بتنظيم الأثمنة ومراقبتها وشروط إمساك المنتوجات والبضائع وبيعها على أن العامل يصدر العقوبات الإدارية بقرار يتخذه بعد استشارة رئيس المصلحة الخارجية لمديرية التجارة الداخلية التابعة للوزارة المكلفة بالتجارة.

 

تمييز الغرامة الجنائية عن الغرامة التهديدية:

الأصل في الالتزام أن يتم تنفيذه عينيا من قبل المدين، فإذا امتنع هذا الأخير عن التنفيذ جاز للدائن أن يحصل على حكم بإلزام المدين بهذا التنفيذ وبدفع غرامة تهديدية إن امتنع عن ذلك.

 

والغرامة التهديدية هي عبارة عن مبلغ مالي يلزم القضاء المدين بتنفيذ التزامه عينا خلال مدة معينة، فإذا تأخر في التنفيذ كان ملزما بدفع غرامة تهديدية عن هذا التأخير، عن كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر… وذلك إلى أن يقوم بالتنفيذ العيني، ثم يرجع إلى القضاء فيما تراكم على المدين من الغرامات، ويجوز للقاضي أن يخفض هذه الغرامات أو أن يمحوها بتاتا.

 

فاذا كانت الغرامة التهديدية والغرامة الجنائية تتصفان بصفة قضائية أي يختص القاضي بالبث فيهما وتحديد مبلغهما، فان الغرامة التهديدية تختلف عنها في عدم قابليتها للتنفيذ في حد ذاتها إلا اذا صدر حكم بتصفيتها وتحويلها إلى تعويض، و في جواز رفع قيمتها بعد الحكم بها توخيا للهدف منها اذا ظهر أن المدين لم يرعبه مقدارها الأول ناهيك عن صفتها التهديدية المتجلية في الامتثال

للحكم الصادر عليه.

المطلب الثاني: جهات الاشراف واستخلاص الغرامة الجنائية

 

سنتحدث في هذا المطلب عن جهات التي تقوم بدور الاشراف على تنفيذ الغرامة الجنائية والادانات النقدية (الفقرة الأولى)، ثم سنعرج للحديث عن جهات استخلاص الغرامة الجنائية (الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى: جهات الإشراف على تنفيد الغرامات الجنائية والإدانات النقدية

 

ان النيابة العامة تضطلع على مستوى كل محكمة مهمة تتبع تنفيذ المقررات القضائية، كما تتولى مديرية الميزانية والمراقبة مهمة الإشراف المركزي على سير وحدات التبليغ والتحصيل بمحاكم المملكة.

 

أولا: جهات الإشراف على لتنفيذ الغرامة الجنائية

 

النيابة العامة:

عهد المشرع المغربي في المادة 597 من قانون المسطرة الجنائية إلى النيابة العامة مهمة تتبع تنفيذ المقررات الصادرة بالإدانة حسب الشروط المنصوص عليها، كما خول القانون هذا الجهاز القضائي تسخير القوة العمومية لأجل هذه الغاية، كما تنص المادة 7 من المرسوم الصادر بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة العدل، والمتعلقة بالمهام المنوطة بمديرية الشؤون الجنائية والعفو على أن هذه الأخيرة مكلفة بالسهر على تتبع تنفيذ المقررات القضائية والإجرائية في المجال الجنائي، فمن خلال هذين النصين يتضح أن المشرع قد أناط بجهاز النيابة العامة بصفتها سلطة قضائية، وكذا بصفة أعضائها ضباطا سامون للشرطة القضائية، دور تتبع تنفيذ الغرامات والإدانات النقدية واللجوء إلى كل الوسائل المتاحة قانونا بما في ذلك القوة العمومية لتنفيذ المقررات القضائية، وذلك من أجل إضفاء الهيبة المناسبة على المقررات القضائية، وإدراكا منه أيضا، بأن مصداقية القضاء وهيبته لا تقاس فقط بالأحكام التي يصدرها، بل بمدى تنفيذ هذه الأحكام والقرارات القضائية.

 

مديرية الميزانية والمراقبة بوزارة العدل:

أناطت المادة 11 من المرسوم المتعلق بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة العدل المشار إليه بمديرية الميزانية والمراقبة، مهام مراقبة وتتبع عملية التحصيل، ومراقبة وحدة التبليغ والتحصيل، وكذا تتبع وتقييم عمل المبلغين والمنفذين لدى المحاكم في مجال التحصيل، ولأجل القيام بهذه المهام، أحدث بهذه المديرية قسما للتحصيل وقسما للمراقبة، حيث تتوصل مديرية الميزانية والمراقبة ببيانات التكفل ومختصرات الأحكام المتضمنة للغرامات والإدانات المدنية والمصاريف والصوائر القضائية من جميع كتابات الضبط، كما تتوصل ببيانات الأوامر بالدفع، والتي تضمن بها الأحكام المنفذة من بين تلك التي تم التكفل بها، لذلك تقوم الوزارة من حين لآخر بمراسلة المسؤولين القضائيين والإداريين لتذكيرهم بالمبالغ المتكفل بها وغير المستخلصة، وذلك لحثهم على تظافر الجهود من أجل الرفع من مردودية التحصيل.

ثانيا: الأشخاص المنفذة عليهم الغرامة الجنائية:

 

الأصل أن الغرامة المالية تخضع لمبدأ شخصية العقوبة كما أشرنا سابقا، غير أن هذا المبدأ ترد عليه بعض الاستثناءات التي تنصرف فيها الغرامة إلى الأشخاص الغير المحكوم عليهم، كالأشخاص المتضامنين، وهو ما أكده الفصل 50 من القانون الجنائي، وبناء على هذا النص فإن وفاة المحكوم عليه لا يحول دون استخلاص الغرامات المالية العالقة في ذمته، ومواصلة إجراءات التحصيل الجبري على تركته، الأمر الذي يعطي للمحاسب إمكانية استخلاص الدين العمومي من أشخاص آخرين غير المدين الأصلي على وجه التضامن، وهو ما نصت عليه المادة 29 من مدونة التحصيل، عندما حددت نطاق الأشخاص المعنيين بمساطر التحصيل، الذي يشمل المدين الأصلي، والأشخاص الذين يحلون محله.

 

المدين الأصلي:

ان المدين الأصلي هو ذلك الشخص الذي تقع عليه بشكل مباشر المسؤولية الجنائية، سواء كان هذا الشخص فاعلا أصليا او مساهما أو مشاركا، والمحكوم عليه بمقتضى مقرر قضائي بأدائه لفائدة الخزينة العامة مبلغ معين بالعملة المتداولة قانونا، وقد يكون المدين شخصا طبيعيا فينفذ المحاسب على ممتلكاته وإن اقتضى الحال على شخصه عن طريق الإكراه البدني، أو معنويا فيقتصر التنفيذ على ممتلكاته فحسب.

 

الأشخاص الذين يحلون محل المدين الأصلي:

نفس الأحكام المتعلقة بموت المحكوم عليه (كما ذكرنا سابقا) تنطبق على الشخص الموصى له، وكذا المالك الجديد للعقار إذا كان هذا الأخير مثقلا برهن رسمي، والمسؤول المتضامن في حال تفويت أصل تجاري أو مؤسسة تجارية أو صناعية أو مدنية، بالإضافة إلى حالة إدماج شركة أو انفصالها أو تحويل شكلها القانوني بإحداث أو دون إحداث شخص معنوي جديد، فإن الشركات الضامة أو التي تنبثق عن الإدماج أو الانفصال أو التحويل ملزمة بأداء مجموع المبالغ الواجبة عن الشركة المنحلة.

 

الفقرة الثانية: جهات استخلاص الغرامة الجنائية

 

من المعلوم أن مهمة تحصيل الغرامات النقدية والصوائر والمصاريف القضائية كانت إلى حدود سنة 1992 موكولة للخزينة العامة للملكة، غير أنه بعد صدور قانون المالية لسنة 1993، أضحت مصالح كتابة الضبط بالمحاكم الابتدائية والاستئناف مكلفة بهذه المهمة، وهو ما جاء في الفقرة الثانية من المادة 633 من ق.م.ج، وهو نفس ما أكدته المادة 131 من مدونة تحصيل الديون العمومية، ويلاحظ أن المادتين المشار إليهما أعلاه أبقيتا على المصالح المكلفة بالمالية بالدرجة الأولى، في حين جاءت مصالح كتابة الضبط في المرتبة الثانية، رغم أن المشرع نص على أدائهما لهذه المهمة في آن واحد، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن الكيفية التي تؤدي بها هذه الأجهزة مهمة التحصيل في آن واحد في غياب التنسيق فيما بينها.

 

وقد أضحت مصالح كتابات الضبط بمحاكم المملكة بمقتضى المادة 47 من قانون المالية لسنة 1993 تتولى مهمة التحصيل بشكل حصري بصفتها طرفا أصليا في متابعات التحصيل، عكس ما جاء في المادتين أعلاه، لكن هذا لا يتنافى مع ما تقتضيه العلاقة بين الجهازين من تعاون في ميدان التحصيل وهو ما دفع بوزارة العدل ووزارة المالية إلى إبرام اتفاقية التعاون المشترك بشأن تحصيل الغرامات والإدانات النقدية بتاريخ 06 أبريل 2010، إلا أنه لوحظ رغم توقيعها لم يتم تفعيلها لعدم ملائمة بعض المقتضيات الواردة بها مع خصوصية تحصيل الغرامات المالية بكتابة الضبط.

 

وبالرجوع إلى المادة 3 من مدونة تحصيل الديون العمومية، صنف المشرع المغربي موظفي هيئة كتابة الضبط الذين يضطلعون بمهمة التحصيل، ضمن المحاسبين المكلفين بالتحصيل بقوة القانون، رغم أنه من الناحية العملية لا يحمل المحاسب العمومي إلا رئيس مصلحة كتابة الضبط، بناء على قرار من وزير العدل، الأمر الذي يتنافى مع صریح المادة المذكورة أعلاه، هذا ورغم المجهودات التي تبذلها وزارة العدل للرفع من مردودية التحصيل كما وكيفا، إلا أن واقع منظومة التحصيل بالمحاكم لا زال يعرف تعثرات ملحوظة بسبب عدة إشكالات موضوعية وأخرى ذاتية.

 

ومن أجل الرفع من مردودية التحصيل بكتابة الضبط، وتجاوز الخلل الذي تعرفه مكاتب التبليغ والتنفيذ الزجري، اتخذت وزارة العدل جملة من التدابير والتي تهدف الى تحديث هيكلة مكاتب التبليغ والتنفيذ الزجري، وإحداث مكاتب وشعب جديدة وهيكلتها في إطار وحدة مستقلة للتبليغ والتحصيل تتألف من خمسة مكاتب رئيسية تتفرع عنها حوالي خمس عشرة شعبة ويعمل الموظفون بهذه المكاتب بصفتهم موظفين مكلفين بالتبليغ والتحصيل تحت الإشراف المباشر لرئيس وحدة التبليغ والتحصيل وفق الهيكلة التالية:

 

* مكتب الضبط والفرز؛

 

* مكتب تبليغ المقررات القضائية والسندات التنفيذية؛

 

* مكتب تصفية الرسوم والصوائر والمصاريف القضائية؛

 

* مكتب التحصيل؛

 

* مكتب التنسيق مع الخزينة العامة؛

 

ويتولى رئيس مصلحة كتابة الضبط بصفته محاسبا مكلفا بالتحصيل إلى جانب رئيس الوحدة، مهمة الإشراف والتتبع وتقييم مردودية وحدة التبليغ والتحصيل، ويتحمل المسؤولية المالية والشخصية عن تحصيل الغرامات والإدانات والرسوم والصوائر والمصاريف القضائية، فالمسؤولية المالية تتجلى أساسا في مسؤوليته عن استيفاء المبالغ المتكفل بها، بصفته طرفا أصليا في التحصيل، فيما المسؤولية الشخصية لصيقة بالمسؤولية الأولى، حيث يتم الأداء من أمواله الخاصة في حالة الحجز أو ترك المبالغ المتحصل بها تتقادم دون تحصيل، كما يمكن أن يسأل جنائيا طبقا للفصلين 243 و244 من القانون الجنائي خصوصا حين يتم تحصيل دين غير مستحق أو يتجاوز المستحق، إذ يتابع بجريمة الغدر، في حال تلقي أو فرض أو أمر بتحصيل ما يعلم أنه غير مستحق أو تجاوز المستحق، ومن أجل مراقبة مدى احترام القواعد التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل في هذا الباب، يخضع رئيس مصلحة كتابة الضبط باعتباره محاسبا عموميا للمراقبة من طرف عدة جهات وهي: مديرية الميزانية والمراقبة في إطار التفتيش المركزي، والمفتشية العامة للمالية التي تراقب عمل صناديق المحكمة، ناهيك عن مراقبة المجلس الجهوي للحسابات.

 

المصدر:https://www.droitetentreprise.com/%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%b9/

عن safae wazani

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.