الفاعلون الرسميون في السياسة الضريبية بالمغرب وسؤال العدالة الجبائية.

الفاعلون الرسميون في السياسة الضريبية بالمغرب وسؤال العدالة الجبائية.

تقديم:

تتميز السياسات العامة بكونها تساعد على تنظيم و عقلنة السلطات العامة، كما تساعد على تحديد الفضاءات السياسية، الرهانات و الفاعلين فالسياسات العامة من منظور تحليل النظم يقصد بها ” النشاطات و التوجيهات الناجمة عن العمليات الحكومية، إستجابة للمطالب الموجهة من قبل النظام الاجتماعي الى النظام السياسي[1].

أما السياسة الضريبية باعتبارها احدى الاليات التدخلية الفعالة التي تعتمدها الدول لتوجيه و ضبط المجال الاقتصادي و المالي والاجتماعي، فالتحفيزات الجبائية تعد من بين أهم السبل الممكنة لدعم وتشجيع القطاعات أو الفئات المستهدفة. وتعتبر التدابير الجبائية الضبطية     ( رفع الأسعار الضريبية، توسيع وعاء الانشطة و المواد و الخدمات الخاضعة للضريبة…)  من الممكن اعتمادها لكبح مستوى الإستثمار و الإنفاق في المجالات المراد ضبطها.[2]

كما تجدر الإشارة إلى أن السياسة الضريبية بالمغرب، بقيت عمليا، مجالا خصبا لإصلاحات متواصلة، بحيث يتم ادخال تجديدات عليها مع كل قانون مالي جديد، وذلك بهدف خلق تحفيز اقتصادي جديد أو استجابة لمشاغل قطاع اقتصادي معين أو فئة إجتماعية معينة، فالسياسة الجبائية في القرن 19 عشر كانت أداة تدخلية تخدم المصالح المالية للمخزن، وتحضر في كل مفاصل و ثنايا النسق المخزني لمغرب ماقبل الحماية بنية وهياكلا،[3] أما في مغرب الحماية استعمل المخزن مختلف أشكال الضغط من أجل تحصيل الموارد وهو ما شكل ثنائية بلاد” السيبة و المخزن”.

وفي خضم التحولات الاقتصادية و الاجتماعية فقدت السياسة الضريبية شيئا من وضوحها مدعمة بشكل كبير العقيدة الإدارية التي تحدد عبر مذكرات الادارة الضريبية أو باقي منشوراتها.[4]

من جهة أخرى تشكل العدالة الضريبية أحد الأهداف التي تسعى اليها جل التشريعات الجبائية، فمفهوم العدالة الجبائية يثير الجدل في أوساط عدة باحثين و ذلك بسبب النسبية التي يتميز بها نظرا لإختلاف المدارس و المذاهب التي قامت بتعريفها، وبالرجوع إلى منطوق الفصلين 39 و 40 من الدستور، نجد أن الأول نص على كون الفرض يجب أن يراعي المقدرة التكليفية للملزم و أن يشترك في تأديته كل أفراد الأمة، ومنه فإننا نعتقد أن قيام العدالة الضريبية هو إحترام القانون من طرف الجميع.

فالسياسة الجبائية بالمغرب تشكل حقلا لتفاعل عدة فاعلين خصوصا الرسمين منهم،كل من موقعه،يقوم بإنزال ثقله على القرار الجبائي ضمانا لتحقيق الأهداف التي تسعى السياسة الضريبية لتحقيقها و من بينها العدالة الجبائية.

وفي هذا الإطار تتمحور الإشكالية الرئيسية لهذه الدراسة على النحو التالي:

  • إلى أي حد ساهم تعدد الفاعلين على مستوى السياسة الضريبية بالمغرب في إرساء عدالة ضريبية ناجعة؟

تقودنا هذه الإشكالية الرئيسية إلى طرح مجموعة من الأسئلة الفرعية وهي كالتالي:

  • من هم الفاعلون الرسميون في السياسة الضريبية بالمغرب؟
  • وما الأليات التي يتم الإعتماد عليها من طرف هؤلاء الفاعلين؟
  • وما موقع العدالة الجبائية في ظل السياسة الضريبية القائمة؟
  • وهل نجحت السياسة الضريبية في تحقيق العدالة الضريبية المرجوة؟

سنقوم بسبر أغوار هذه الإشكالية التي تشكل محور هذه الدراسة معتمدين على مقاربة من منظور سوسيو قانوني محاولة منا الوصول الى النتائج المرجوة.

المبحث الأول: الفاعلون الرسميون في السياسة الضريبية

تحتل المؤسسة الملكية موقعا بارزا في بلورة السياسة الضريبية وذلك نظرا لتعدد آلياتها( المطلب الأول) متفاعلة مع السلطة التشريعية و التنفيذية كفاعلين رسميين في رسم معالم السياسة الضريبية ( المطلب الثاني).

المطلب الأول: مركزية المؤسسة الملكية في السياسة الضريبية

تلعب المؤسسة الملكية دورا مركزيا في الحياة السياسية بالمغرب منذ القدم، حيث ظلت مصدر كل السلطات والصلاحيات المستمدة من نظام السلطنة الذي تمأسس مع السلطان الذهبي الذي كانت سلطاته غير محدودة.[5]

ونظرا لاعتبارات سياسية، دستورية، تاريخية، وطنية، دينية، وهذا ما تؤكده جل الدساتير المغربية المتعاقبة، فالحديث هنا ليس عن مؤسسة كباقي المؤسسات، بل عن الدولة نفسها.[6]

و تجدر الإشارة أن امتلاك المؤسسة الملكية لهذه المكانة في النظام الدستوري المغربي يرجع لكونها تشرف على الحكم مباشرة وتمتلك آلياته، فقوة الصلاحيات الدستورية تمكنها من توجيه وتتبع القائمين على تدبير الشأن العام[7]، وإعداد السياسات العامة [8]و السياسة الضريبية خاصة.

وطبقا لمقتضيات الباب الثالث من دستور فاتح يوليوز لسنة 2011[9] و خصوصا الفصول 41،42،44،47،48،51،52،53،59، يظهر بجلاء سمو المؤسسة الملكية في شخصها “الملك” باعتباره أعلى سلطة في البلاد.

صحيح أن الحديث عن المؤسسة الملكية يتجسد لدى عدة باحثين أننا نتحدث عن شخص “الملك” لوحده كمؤسسة قائمة بذاتها، بل يجب استحضار دار المخزن أو ما يصطلح عليه بالبلاط الملكي والذي يتضمن وزارة خاصة بالقصور الملكية والتشريفات والأوسمة، وأيضا هناك مصالح تابعة للملك من بينها مديرية الدراسات والوثائق إلا أن أبرز مؤسسة داخل البلاط الملكي وبلا منازع هي الديوان الملكي، والذي يضم العديد من المستشارين ومعظم مديريه يكونون موضوع ثقة الملك وينصح أعضاءه الملك في كل المشاكل التقنية.[10]

وفي ذات السياق فمعظم المستشارين المتواجدين في الديوان الملكي يحتلون مكانة أساسية لكونهم يلعبون دورا أساسيا في اتخاذ القرارات أو على الأقل التأثير فيها[11]، وذات الفئة تتميز بمشروعية الخبرة و الكفاءة [12]التي تمكنها من التدبير الجيد.

ونظرا لتوفر المؤسسة الملكية على مرجعية تقليدية وتحديثية سيؤثر وسينعكس لا محال على تنوع الآليات الدستورية والسياسية التي تؤثر بها على باقي الفاعلين في صناعة السياسة الضريبية.

الفقرة الأولى: الخطب الملكية تجسيد لسمو المؤسسة الملكية

باستقرائنا للفصل 52 من الدستور يظهر لنا أن الملك يخاطب الأمة والبرلمان عبر آلية الخطب الملكية التي تعتبر من بين الطرق والوسائل التي تعبر عن إرادة الملكية وتترجم مواقفها وتوجهاتها[13]، كما أن ذات الفصل الدستوري أعلاه يشير أن هذه الخطب (الملقاة على البرلمان) لا يمكن أن يكون مضمونها موضوع أي نقاش، فالخطب الملكية خصوصا تلك المتعلقة بالعمل البرلماني ودور المؤسسات النيابية والتزامات النواب والوظيفة التشريعية وغيرها تظهر لنا أن الخطب تشكل عنصرا من عناصر الإيديولوجية الملكية، التي تؤطر البرلمان وتوجه سلوكه في القضايا الإستراتيجية الكبرى للبلاد[14]، بحيث يشكل الخطاب السالف الذكر إلى جانب خطابي العرش وثورة الملك والشعب المرجع الذي تستمد منه قوانين المالية والتي تقوم برسم معالم السياسة الضريبية ومرجعيتها وتستمد خطوطها العريضة منه[15].

الفقرة الثانية: اللجان الملكية ورئاسة المجلس الوزاري

أولا:اللجان الملكية

يكتسي دور اللجان الملكية دورا مهما باعتبارها أحد آليات المؤسسة الملكية لمعالجة بعض القضايا الإستراتجية والتي قد تشكل نقطة اختلاف عدة فاعلين، فقد تم تنصيب هذه اللجن في عدة مناسبات نذكر منها ( مدونة الأسرة) والتي كانت من مخرجاتها انشاء مدونة الأسرة التي عوضت مدونة الأحوال الشخصية التي كان حولها نقاش و خلاف بين عدة فاعلين.

وعلى هذا الأساس يطرح  السؤال التالي ما تركيبة هذه اللجان؟ كما أن ذات السؤال يستوجب طرح سؤال أخر مفاده، ما نجاعة هذه اللجان باعتبارها أحد الآليات التي تستعملها هذه المؤسسة لحل بعض المشاكل التي قد يستعصى حلها من طرف الفاعلين الآخرين؟ وهل هذه اللجان دائمة أم مهمتها فقط مؤقتة؟ وما موقع السياسة الضريبية في عمل هذه اللجان؟.

بالرجوع إلى الخطاب الملكي ليوم الإثنين 29 يوليوز 2019 بمناسبة عيد العرش الذي كان موضوعه يتمحور حول (اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد)، قد نجد بعض الأجوبة عن الأسئلة أعلاه، فقد جاء في نص الخطاب ” بادرنا لإحداثها في بعض القضايا ذات البعد الوطني ، كالجهوية، الدستور، ومدونة الأسرة وهيأة الإنصاف والمصالحة، وحرصنا شخصيا على متابعة أشغالها، فكانت النتيجة ايجابية وبناءة”[16]، يتضح لنا من خلال الاقتباس أعلاه أن سياق تنصيب هذه اللجن يأتي في سياق  القضايا الوطنية كما أشرنا سالفا، التي تخلق جدلا ونقاشا في أوساط أطراف المجتمع، أما عن السؤال المتعلق بتركيبة هذه اللجن ، حيث جاء في مضمون الخطاب ” وقد راعينا أن تشمل تركيبتها مختلف التخصصات المعرفية، والرواد الفكرية، من كفاءات وطنية في القطاعين العام والخاص، تتوفر فيها معايير الخبرة، والتجرد، والقدرة على فهم نبض المجتمع وانتظاراته، واستحضارالمصلحة الوطنية”[17]، فتركيبة هذه اللجنة كما أتى على لسان الملك فهي تجمع بين الكفاءة و الخبرة و روح الوطنية الحقة، كما ورد في نفس الخطاب ” أود التأكيد، أن هذه اللجنة لن تكون بمثابة حكومة ثانية، أو مؤسسة رسمية موازية وإنما هي هيئة استشارية، ومهمتها محددة في الزمن”، ومنه فهذه اللجنة مهمتها منحصرة و محددة في حيز زمني محدد، كما أن مهمتها تنحصر كما أشار الملك في ” تقديم اقتراحات بشأن تجويد والرفع من نجاعة عدة قطاعات التعليم، الصحة، الاستثمار، والنظام الضريبي…”[18]،ومن خلال هذا يظهر لنا موقع السياسة الضريبية، باعتبارها من القضايا ذات الأبعاد الوطنية في أجندة عمل هذه اللجن و التي تقع تحت إشراف أعلى سلطة في البلاد.

ثانيا: رئاسة المجلس الوزاري

يرأس الملك المجلس الوزاري طبقا لمقتضيات الفصل 48، الذي يتناول دراسة عدة قضايا سياسية هامة في الدولة[19]، فالمجلس الوزاري يتداول في النصوص و القضايا الكبرى للدولة ومنها:

  • التوجهات الإستراتجية لسياسة الدولة؛
  • مشاريع القوانين التنظيمية؛
  • التوجهات العامة لمشروع قانون المالية,,,,,.[20]

فهذا المجلس حسب عدة باحثين يشكل إطارا لتدارس ومناقشة القضايا الإستراتيجية للبلاد ورسم ملامح السياسة العامة من جهة والسياسة الضريبية من جهة أخرى، فهو يعتبر آلية للتحكم في مسار القرارات التي تضطلع الحكومة باتخاذها في السياسة الضريبية.[21]

إن ترأس الملك للمجلس الوزاري يستشف منه توجيه مسار السلطة التنفيذية، فالملك باعتباره الرئيس الفعلي لمؤسسة المجلس الوزاري فهو ينزل بكل ثقله في ذلك التداول، وبه لايمكن أن تكون توجهات وبرامج وإرادات الناخبين في السياسة الضريبية مخالفة لإرادة الملك، وهنا يظهر أن الملك يمارس رئاسة فعلية وليست شرفية.[22]

إن تنوع آليات تدخل المؤسسة الملكية في السياسة الضريبية يظهر لنا بجلاء مدى قوة هذه المؤسسة كفاعل من داخل النسق القراري المغربي، فإضافة لما أشرنا إليه فذات المؤسسة يمكن لها أن تتدخل على أساس إمارة المؤمنين و التاريخ حافل بهذه الممارسة.[23]

المطالب الثاني : دور الحكومة والبرلمان في رسم معالم السياسة الضريبية

تشكل الحكومة الأداة التنفيذية للسياسة الضريبية نظرا لإمتلاكها  كل مايمكنها من الهيمنة داخل النسق القراري المغربي(الفقرة الاولى) مقارنة مع السلطة التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل في السياسة الضريبية( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الحكومة كأداة تنفيذية للسياسة الضريبية

على غرار مختلف الأنظمة السياسية الكبرى  تعتبر المؤسسة الحكومية في النظام المغربي مؤسسة قائمة بذاتها، حيث خصص دستور 2011 الباب الخامس تحت عنوان ” السلطة التنفيذية”، وبه تشكل حلقة وصل مهمة في صناعة السياسة الضريبية بالمغرب وذلك لكونها المسؤولة عن:

  • تحقيق أهداف الدولة الاقتصادية و الاجتماعية ..؛
  • أن لها من الأجهزة الإدارية والفنية القادرة على إعداد الميزانية[24].

فالفعالية والتقنية تلعبان دورا كبيرا في ترجيح كفة الجهاز التنفيذي في مجال السياسة الضريبية، فالطبيعة المعقدة للسياسة الضريبية سواء الإقتصادية أم التقنية والمعتمدة بشكل دقيق على الخبرة، هو سبب توفر الجهاز التنفيذي على الاختصاصيين[25]، الذين يستمدون شرعيتهم وسلطتهم من الخبرات والتقنيات المتوفرة لهم.

إن سيطرة التقنين والخبراء على المستوى الحكومي مرده رسم الخطوط العريضة للسياسة العامة للدولة وذلك من خلال مراكز السلطة، تحت غطاء العقلنة التقنية، فالتقاطع بين الدولة والتكنوقراط ليس بالمسألة الفجائية ، فهذه الفئة تستمد قوتها الاجتماعية من خلال علاقة النخب بها، بحيث أن أغلبية هذه الفئة ينبثقون من عائلات بورجوازية نخبوية متضامنة فيما بينها لأسباب اقتصادية واجتماعية أو سياسة بحيث سلطة القرار تبقى بين أيدي هذه القلة.[26] وبناء على ماسبق، نطرح السؤال التالي كيف تتدخل المؤسسة التنفيذية في السياسة الضريبية؟.

تجدر الإشارة أن السلطة الحكومية المكلفة بالاقتصاد والمالية هي من تتولى إعداد سياسة الدولة في المجالات المالية والنقدية والقرض والمالية الخارجية، وكذا اعداد السياسة الجبائية وتتبع تنفيذها[27]، طبعا لن نخوض في ذكر مكونات هذه الوزارة ، لكن سنركز على الأجهزة التي تساهم في بلورة وتنفيذ السياسة الضريبية، وتجدر الإشارة أن هذه الوزارة توجد تحت اشراف وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة الذي بدوره يكون تحت سلطة السيد رئيس الحكومة [28]وهذا ماجاء في منطوق المادة 46 من القانون التنظيمي للمالية ” يتولى الوزير المكلف بالمالية تحت سلطة رئيس الحكومة اعداد مشاريع قوانين المالية طبقا للتوجهات العامة المتداول بشأنها في المجلس الوزاري وفقا للفصل 49 من الدستور.”[29]

وفي ذات السياق نستشف من خلال المادة أعلاه الدور المهم الموكول لرئيس الحكومة كمشرف أعلى على وزير الاقتصاد و المالية، هذا الأخير الذي يمارس مهمة مزدوجة فهو يقوم بالإشراف على وزارته بصفته آمرا بالصرف لمداخليها ونفقاتها، وكذا مهمة التنسيق بين كل الوزارات من أجل إعداد مشروع قانون المالية وفق التوجهات الوزارية.

كما هو معلوم أن الوزارة المكلفة بالاقتصاد والمالية واصلاح الإدارة تتألف من عدة مديريات كما هو منصوص عليه في المادة الثالثة من المرسوم المنظم لاختصاصاتها، وبه فما هي المديريات المتدخلة في السياسة الضريبية؟.

أولا: مديرية الميزانية

تنص المادة 9 من المرسوم المنظم لاختصاصات وزارة الاقتصاد والمالية على أن مديرية الميزانية تتولى:

  • تقديم كل اقتراح من شأنه تنوير الوزير المكلف بالمالية في اختياراته في مجال السياسة المالية؛
  • تحضير مشاريع قوانين المالية وتتبع تنفيذها؛
  • تحضير مشروع قانون التصفية ووضع الحساب العام للمملكة…

فالسياسة المالية تعرف بأنها أحد فروع السياسة الاقتصادية، وهي تلك الإجراءات والسياسات المدروسة والمعتمدة المتصلة بمستوى ونمط الإنفاق الذي تقوم به الحكومة من ناحية وبمستوى هيكل الإيرادات التي تحصل عليها من ناحية أخرى.[30]فهذه المهمة لا يمكن أن يقوم بها إلا من تتوفر لهم القدرات العلمية ويكونون مؤهلين لذلك، حيث تتوفر مديرية الميزانية على 351 إطارا وعونا.[31]

ثانيا: المديرية العامة للضرائب

يعهد لهذه المديرية تنفيذ السياسة الجبائية طبقا لتوجيهات وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، فهي تقوم بتقديم الاقتراحات للوزير التي من شأنها توضيح الاختيارات في مجال السياسة الجبائية[32]، كما أن ذات المديرية تقوم بدراسة وإعداد مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية ذات الطابع الضريبي.

وفي هذا الإطار فالمديرية العامة للضرائب تقوم “بالتشريع الخفي”، وذلك من خلال إعداد ونشر المذكرات  والدوريات التطبيقية المتعلقة بالنصوص التشريعية والتنظيمية ذات الطابع الضريبي، فقوة الدورية والمذكرة لا ترتبط فقط بتفسير النصوص التشريعية، بل تتجاوز ذلك لتغيير المراكز القانونية ومخالفة بعض مقتضيات الدستور والقوانين الأخرى وتشكل المذكرة الصادرة عن نفس المديرية بتاريخ 16 مارس 2019 المتعلقة بالإشعار للغير الحائز مثالا لذلك،[33]وتجدر الإشارة على أن هذه المديرية تتوفر على إجمالي 4902 إطارا وعونا تتوزع على المصالح المركزية واللاممركزة للوزارة.[34]

ثالثا: مديرية الدراسات والتوقعات المالية

تضطلع مديرية الدراسات والتوقعات المالية بعدة مهام في السياسة الجبائية لا تكاد تختلف مع مديرية الخزينة و مديرية الميزانية فقط، إضافة إلى ذلك، فهي تسهر على المحافظة على الإقتصاد الوطني وإعداد وتتبع مخططات التنمية والسياسات الإقتصادية الإستراتجية للدولة وتقييم أثارها وتهيئ الإطار الماكرو اقتصادي لمشروع قانون المالية.[35]

إن لهذه المديرية أدوار لا تخلوا من أهمية بسهرها على تحقيق التوازن الخارجي والداخلي المالي، وبهذا، فتأثيرها في بلورة سياسة جبائية ملائمة لجميع الاعتبارات الإقتصادية، محافظة بذلك على التوازنات الماكرو والميكرو اقتصادية للدولة.

وبهذا الصدد، فهذه المديريات تشكل “القلب النابض” لوزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة في صناعة وتنفيذ السياسة الضريبية، وذلك لما تمتلكه من خبرات و تقنيات وكفاءات عالية، ومن هنا، تظهر لنا هيمنة وقوة الإداري ” التكنوقراطي”  البارزة على حساب السياسي في مسار السياسة الجبائية، كما أن وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة هي الوحيدة القادرة على ترجمة التوجهات الحكومية إلى تدابير ضريبية ومن هنا يمكن القول أنها “سيدة اللعبة”.[36]

الفقرة الثانية: تدخل المؤسسة التشريعية في السياسة الضريبية وواقع العقلنة البرلمانية

تحتل المؤسسة التشريعية مكانة مهمة على مستوى الوثيقة الدستورية لسنة 2011، فالمشرع انتقل من اعتبار البرلمان مجرد مؤسسة تمارس التشريع بالتصويت على القوانين كما ورد في مقتضيات الدساتير السابقة على أن القانون يصدر عن البرلمان بالتصويت، إلى اعتبار البرلمان المؤسسة التي تجسد المؤسسة التشريعية والفصل 70 من الدستور يبين ذلك.[37]

كما تجدر الإشارة أن السياسة الضريبية تترجم معالمها عبر قانون مالية السنة والذي يعتبر تنزيلا للسياسة المالية للدولة إذ يقوم بتعديل أو إلغاء أو فرض ضرائب جديدة، وبما أن البرلمان هو الممثل الرئيس للشعب عبر طريق الديمقراطية التمثيلية، وعلى حد اعتبار مونتيسكيو في كتابه روح القوانين ( la liberté du peuple et toute dans l impôt). فكيف تتدخل السلطة التشريعية في السياسة الضريبية؟ وما مدى تدخلها في السياسة الضريبية؟ كلها أسئلة وجدت لنفسها مكانا في اختصاصات السلطة التشريعية في السياسة الجبائية بالمغرب.

يودع مشروع قانون المالية بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر على أبعد تقدير مرفقا بالوثائق المنصوص عليها في المادة 48 من القانون التنظيمي للمالية رقم 13_130، بعد ذلك يحيط رئيس مجلس النواب رئيس مجلس المستشارين بإيداع الحكومة مشروع قانون المالية لدى مجلس النواب[38]، بعدها مباشرة تعقد جلسة مشتركة للمجلسين لعرض مشروع قانون المالية من طرف الحكومة. ثم بعد ذلك داخل اللجان البرلمانية للمجلسين معا، وبه سنركز حديثنا على أهم هذه اللجان وهما لجنتي المالية بكل من المجلسين.

أولا: لجنة المالية و التنمية الاقتصادية بمجلس النواب

بعد الجلسة العامة يتم احالة المشروع لدى لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، التي يتم الاستماع فيها للوزير المكلف بالإقتصاد والمالية الذي يتقدم ببيانات إضافية حول المشروع، بعد ذلك تشرع اللجنة في مناقشة عامة للميزانية والسياسة الحكومية، تستغرق مدتها الزمنية ثلاثة أيام عل أبعد تقدير توزع بحسب التمثيل النسبي للفرق وتختتم بجواب الحكومة[39]، يشرع في مناقشة مفصلة لمواد الجزء الأول من المشروع مادة- مادة[40]، بعدها يتم تقديم اقتراحات التعديل للنظر فيها في أجل لا يتعدى خمسة أيام من أيام العمل،[41]كما يحضر مقررو اللجان الدائمة عند تقديم التعديلات ويتحتم على مقرر لجنة المالية أن يشير في تقريره الى ملاحظاتهم، موازة مع عمل لجنة المالية تشرع باقي اللجان الفرعية في دراسة مشاريع الميزانيات الفرعية.[42]

حل ثوري لمشكلة الضعف والسرعة في العلاقة الزوجية بدون أعراض جانبية

في حالة القراءة الثانية لمشروع المالية من لدن لجنة المالية والتنمية الاقتصادية تجرى المناقشة والتصويت داخل جلسة واحدة محترمة الأحكام الجاري بها العمل في النظام الداخلي لمجلس النواب.[43]

ثانيا: لجنة المالية و التخطيط و التنمية الاقتصادية بمجلس المستشارين

تتولى لجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية بمجلس المستشارين دراسة مشروع قانون المالية فور التوصل به، ويتعين عليها البث فيه داخل أجل تحدده ليكون جاهزا لعرضه على الجلسة العامة، ولأعضاء اللجنة عند الشروع في المناقشة، حق الاستيضاح و الاستفسار عن كل مقتضى في مشروع قانون المالية، ولهم أن يطلبوا كل وثيقة لها صلة بالموضوع.[44]

ويمكن لرئيس لجنة المالية أن يطلب من رئيس  لجنة أخرى أن ينتدب عضوا للمشاركة بصفة استشارية في أعمال اللجنة، أثناء دراسة موضوع معين له ارتباط بالميزانية المعروضة على تلك اللجنة، ويتعين على مقرر لجنة المالية أن يشير في تقريره الى حظور و ملاحظات الأعضاء المنتدبين من طرف اللجن الدائمة الاستشارية.[45]

ثم بعد ذلك تجرى مناقشة ميزانية كل قطاع على حدة وفق المقتضيات الجاري بها العمل،[46]ثم بعد ذلك تجرى مناقشة عامة يليها جواب الوزير المعني بالأمر.[47]

من نافلة القول، التذكير بأن المسالة الضريبية كانت وراء نشأة وإرساء دعائم الأنظمة الديمقراطية، فهل ارتقى البرلمان إلى مستوى المهام المنوطة به دستوريا؟ كما أن ذات السؤال يحيلنا إلى سؤال أخر، هل البرلمان يصنع الضريبة وفق الاختصاص الموكول له دستوريا؟.

ان المهمة البرلمانية هي اختصاص حصري في المادة الضريبية، بالاستناد الى تعبير” للقانون وحده احداثها و توزيعها”،[48] وبذلك تكون لجنة المالية ذات الشأن كبير، بل هناك من اعتبرها ممثلة للسلطة الحقيقية للبرلمان في المجال الجبائي[49]، فهذه اللجنة تستقطب اهتمام كافة الفرق البرلمانية ومختلف الاحزاب التي تحاول جاهدة أن تكون ممثلة داخلها، للإسهام في النقاش الدائر حول التدابير المالية والجبائية التي تعتزم الحكومة اتخادها، بل أيضا التصدي لمختلف التدابير التي من شأنها تهديد مصالحهم وإفراغها من محتواها، أو العمل على تعديل مضمونها بما يتماشى مع مصالحهم.[50] إلا أن هذه اللجنة يكون عملها قاصرا تحت لواء العقلنة البرلمانية الممارسة من طرف الحكومة  والتي تجد سندها في الفصل 77 من الوثيقة الدستورية لسنة 2011، على الرغم من أن البرلمان والحكومة هما المسؤلان عن التوازن المالي للدولة.

فالصراع التاريخي مابين الحكومة والبرلمان حول إنتاج الضريبة حسم دستوريا للبرلمان، غير أنه واقعيا وإن كنا نعتقد أن الحكومة هي صاحبة الاختصاص نظرا لما لها من مؤهلات كما أشرنا سالفا، وهذا راجع لعدة اسباب منها:

  • غياب مؤهلات و ثقافة جبائية لدى النخب السياسية[51]؛
  • عدم توفر البرلمانيين على مساعدين أو مكاتب دراسات أو مستشارين في مواد المالية العامة و السياسات الضريبية؛
  • ضعف التنشئة لهذه النخب من طرف الاحزاب السياسية التابعة لها.[52]

وفي هذا الصدد فبالرغم من الاختصاصات المخولة للبرلمان بمقتضى الوثيقة الدستورية والأنظمة الداخلية لمجلسي النواب والمستشارين، فإن دوره يبقى محدود مقارنة مع سلطة المؤسسة الملكية والمؤسسة التنفيذية في مجال السياسة الضريبية، خصوصا من جراء الهيمنة التي تمارسه الحكومة، وهذا ما يبدو في نظرنا موت مؤكد لديمقراطية السياسة الضريبية.

المبحث الثاني: السياسة الضريبية وأزمة العدالة الجيائية ” الواقع ومداخل الاصلاح ”

تحتل العدالة الضريبية حيزا مهما في الدراسات الأكاديمية المختصة بشأن الضريبي في كل دول العالم سواء الديمقراطية أو النامية، فما موقع العدالة الضريبية في السياسة الضريبية ( المطلب الأول)  وما السبل الكفيلة التي يمكن بموجبها تحقيق عدالة ضريبية تتناسب مع القيم الاممية (  المطلب الثاني).

المطلب الأول: واقع العدالة الجبائية في ظل السياسة الضريبية

لاشك أن السياسة الضريبية في المغرب هي إحدى آليات السياسة المالية لتزويد الدولة بالعائدات التي تؤمن تدخلها في الميادين الاجتماعية والاقتصادية، وهذا ما يفسر كثرة الضرائب واتساع الوعاء الضريبي، وتعدد المساطر المنظمة لذلك، والجمع بين ضرائب وطنية وأخرى محلية.[53]

وفي ذات السياق فالسياسة الضريبية المتبعة من طرف الدولة يعتبرها أكثر من نصف أرباب المقاولات جد معقدة حيث تصل هذه النسبة إلى 63 في المائة لدى أرباب المقاولات الكبرى[54]، كما أن 95 من المقاولات تعتبر أن انعدام العدالة الضريبية لا يشجع على الاستثمار بصفة خاصة وهذا يفسر لجوء 77 في المائة من المقاولات إلى القضاء من أجل حل نزاعاتها ولا يستخدم التحكيم الا نادرا.[55]

كما أن 60 في المائة من المقاولات المغربية التي يصل عددها إلى 240 ألف مقاولة، إما في حالة عجز أو معفية من الضرائب، إضافة إلى 24 في المائة من المقاولات تخضع لنسبة ضريبة على الشركات بمعدل 10 في المائة، و 82 في المائة من عائدات ضريبة  على الشركات تستخلص من 2 في المائة فقط من الشركات[56]، كما أن بعض الشركات والتي توجد في مناطق جغرافية معينة هي معفية بقوة القانون،  الشىء الذي يجعلنا نعتقد أن سياستنا الضريبية لم تحدث قطيعة مع سياسة المغرب الماضي ( مغرب القرن 19 ) .

و تجدر الاشارة أن توزيع النفقات الجبائية ( اعفاءات كلية أو جزئية أو مؤقتة وتخفيضات واسقاطات و خصوم و ضرائب جزافية و تسهيلات مالية)، يكشف عن مدى اختلال توزيع الأعباء الجبائية، ففي عام 2020 استفاذت المقاولات من أكبر حصة والتي تتمثل في معدل 49 في المائة، بينما الأسر في المرتبة الثانية بمعدل 44 في المائة، ثم المرافق بنسبة 4 في المائة.[57] الشىء الذي يبين استفاذة اللوبي العقاري من هذه الاعفاءات التي كان من الاجدر أن تكون مداخيل الميزانية وكذا تأثير اللوبي الفلاحي في الاستفاذة هو كذلك من الاعفاءات، زيادة على أن هذه التحفيزات غير مدروسة بناءا على وقعها على الاقتصاد الوطني، حيث تبلغ كلفتها 30 مليار  درهم أي 2.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام للبلاد، الأمر الذي يتناقض مع مبدأ العدالة الضريبية،[58]والذي عمق ظاهرة الضغط الضريبي

(  le pression fiscal) حيث يرتفع في المغرب بشكل يفوق المعقول ليقارب 40 في المائة بما فيه ارتفاع الضغط الفردي بنسبة 50 في المائة بالرغم من تواضع مستوى النشاطات الاقتصادية بالمقارنة مع الدول الصناعية ذات المعدلات الاقتصادية المتطورة.[59]

أما بالنسبة للضريبة على القيمة المضافة، يميل” الأستاذ مولاي الحسن التمازي” إلى جانب العديد من الباحثين الى اعتبارها غير عادلة، وذلك لأن عبئها الضريبي يتحمله في النهاية المستهلك، ولكونها لاتأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمكلف، فما يهمها هو السلعة أو المنتوج أو الخدمة. [60]

كما أن الأسعار التي تخضع لها الضريبية على الدخل فرغم كونها تصاعدية، فهي لا تنسجم مع مبدأ العدالة الضريبية والتي تبقى في نظر” الأستاذ مولاي الحسن التمازي ” كانت دائما في صالح أصحاب الدخول المرتفعة[61]، حيث نجد أنها ترتفع بشكل عقلاني بقيمة 10 في المائة من 10 إلى 30  في حين ترتفع بشكل تناقصي بقيمة 4 في المائة من نسبة 30 في المائة إلى حدود نسبة 38 في المائة و الذي يصطلح عليه الأستاذ “نجيب أقصبي” بالتصاعدية التراجعية( progressive)، حيث هذه هي القيمة الأعلى التي تخضع لها الدخول التي تزيد عن مبلغ  180.000 درهم والذي في نظرنا يشكل خرقا سافرا لمبدأ العدالة الضريبية،  ومن المفارقات أيضا أن سعر 30.000 درهم و الذي يشكل الحد الادنى المعفى يبقى ضعيفا اذا ما تمت مقارنته مع الدخل الفردي الهزيل و غلاء مستوى المعيشة. ان الضريبة على الدخل في ظل السياسة الضريبية القائمة من الصعب القول عنها أنها ستؤدي إلى عدالة ضريبية، فالضريبة على الدخل في ظل السياسات الاقتصادية المتماسكة ( الدول الاسكندنافية مثلا…) تغدي الميزانية العامة بالموارد الجبائية، وتستجيب لمنطق العدالة  وتصحيح التفاوتات الاجتماعية  وتوزيع الدخول.[62]

في هذا الصدد يجب الاشارة أن المساهمة التضامنية التي فرضت بموجب القانون المالي لسنة 2020 وذلك نظرا للوضعية الاستثنائية التي تعيشها البلاد تأكيدا لتوطيد قيم التضامن المنصوص عليها في الفصل 40[63] من الدستور، وانصبت هذه المساهمة التضامنية على الأجور والمرتبات الوسطى منها، هذا الذي يبدوا في نظرنا يتنافى مع مبدأ العدالة فلا يعقل أن يتضامن أصحاب الدخل المحدود مع الأثرياء خصوصا أن هذه الفئة تتحمل ¾ العائدات الضريبية على صعيد الضريبة على الدخل ( IR) والذي من شأنه تعميق العبئ والضغط  الضريبي، خصوصا أن هذه الفئة ليس لها أي سبيل من ممارسة التملص الضريبي نظرا لأن اقتطاع ضريبتها يكون مباشرة عبر ” الحجز من المنبع”.

المطلب الثاني: إصلاح السياسة الضريبية مدخل لتحقيق العدالة الجبائية

يشكل مبدأ القبول الضريبي المعيار الوحيد لقياس مدى نجاعة أي سياسة ضريبية، فالمخاطب بالضريبة كيفما كان نوعه ( شخص طبيعي أو شخص معنوي) عندما يلازمه شعور بالاحباط جراء احساسه بعدم عدالة السياسة الجبائية القائمة، من شأنه التأثير على سلوكياته واستغلال ثقافته الجبائية في الجانب السلبي لا سواء من تلقاء نفسه أو بتواطئ مع بعض الموظفين الفاسدين في الإدارة الضريبية، وذلك بممارسته كل من التهرب الضريبي ( الوطني منه والدولي) [64]و الغش الضريبي بالإضافة إلى تدني مستوى المواطنة الجبائية، وبه لابد من الجنوح إلى اصلاح برغماتي من شأنه تجاوز المشاكل التي تطرحها  مسألة العدالة الجبائية والسياسة الضريبية عامة باعتبارها أداة لتحقيق التنمية والانتقال الديمقراطي بالمغرب.

وفي ذات السياق لابد من طرح حلول و اقتراح مداخل اصلاح من شأنها تجاوز الوضع الستاتيكو الذي تعاني منه السياسة الضريبية في أفق تحقيق عدالة ضريبية من شأنها ضمان التوزيع العادل للثروات وتحقيق العدالة المجالية.

ان تحقيق العدالة الضريبية رهين بمدى السير في اتجاه توسيع الوعاء الضريبي من جهة، وفرض مستوى انفاق يجعل المواطن أمام واجب وطني، وليس عبىء ضريبي يثقل كاهله، غير أن هذا التوسيع يجب أن يراعي مبدأ الانصاف، خصوصا بالنسبة للضريبة على الدخل لأن رغم احتماء الأسعار الحالية بمبدا المساواة [65]، فإنه يظل لا عقلاني يثقل كاهل الأجور المتوسطة كما أشرنا سالفا كما أن هذا التوسيع على مستوى الوعاء يجب أن يشمل إلغاء مبدأ الاعفاءات التي تستفيذ منه بعض القطاعات والذي لم يعد مقبولا لا اجتماعيا و لا اقتصاديا بل يجب على هذا التوسيع تجاوز هذا بإقرار ضرائب جديدة كالضريبة على الإرث و الضريبة على الثروة  والتي تعد من المطالب الاجتماعية المجمدة[66].

كما يجب اقرار اصلاح ضريبي يهم الشركات، لأن ذلك سيساهم في الرفع من موارد الدولة، وينبغي أن يركز هذا الاصلاح على تقوية آليات محاربة الغش الضريبي وفرض عقوبات جريئة و صارمة.

وفي ذات السياق يجب استحضار التوصيات المنبثقة عن المناظرة الوطنية الثالثة حول الجبايات لسنة 2019 ، والتي أوصت:

  • تجميع مختلف الضرائب والرسوم ضمن مدونة واحدة، من خلال تقييم وعقلنة الجبايات المحلية وكذا الرسوم شبه الضريبية بهدف دراسة الجدوى؛
  • تعميم السعر الأعلى على القطاعات المحمية  والمنظمة أو الاحتكارية؛
  • دراسة شروط ارساء مفهوم “العائلة كوحدة للتضريب”؛
  • مراجعة أسعار الضريبة على القيمة المضافة ( سعر 0 في المائة بالنسبة للمواد

الأساسية، و10 في المائة للاستهلاك الواسع و20 في المائة كسعر عادي  وسعر أعلى لمواد الرفاه) مع توضيح  قواعد  التطبيق الصحيح  للسعر المناسب للعملية موضوع التضريب؛

  • وضع سياسة شاملة من أجل ادماج القطاع الغير المهيكل.[67]

ومما لا مفر منه فانه يجب ارساء قيم الشفافية ومبادئ الحكامة الجيدة وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتقوية دور البرلمان في صناعة السياسة الضريبية بتمكينه بشتى الوسائل التقنية واللوجستيكية وكذا اصلاح دستوري حقيقي من شأنه أن يعيد للبرلمان اختصاصه الأصلي على مستوى صناعة السياسة الضريبية بالمغرب، وكذلك اصلاح قانون اطار من شأنه أن يتجاوز تعقد المساطر الضريبية والثغرات التي تسمح بالتهرب الذي من شأنه رفع مستوى الضغط الضريبي وبالتالي ضياع الموارد التي من شأنها تحقيق النمو والاقلاع في جميع مناحي الحياة.

 

 

وعلى سبيل الختم، تشكل السياسة الضريبية حقلا لتدخل عدة فاعلين رسميين على مستوى بلورتها كل من موقعه، كما تتميز بتنوع آليات هؤلاء الفاعلين نفسهم وكذا تباين درجة قوة تأثيرهم.

ويشكل اكتساح النخبة التقنية لمجال السياسة الضريبية في المغرب سواء داخل المؤسسة الملكية وكذا على مستوى الحكومة التي تعد الصانع الحقيقي للسياسة الضريبية تحت توجهات أعلى سلطة في البلاد منذ القرن الماضي، مقابل محدودية المؤسسة التشريعية وذلك نظرا لضعف دورها قانونيا عبر كبحها بواسطة آليات العقلنة البرلمانية وكذا على مستوى ضعف الموارد البشرية التي من شأنها مساعدة ممثلي الأمة بالقيام بدورهم في خلق سياسة ضريبية تحقق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

ان هذا التعدد على مستوى الفاعلين في السياسة الضريبية لم يستطع أن يتعامل مع  اشكالية العدالة الضريبية بالمغرب والتي لازال النقاش فيها حاضرا لدى مختلف شرائح المجتمع المغربي، ملزمين، باحثين، خبراء، اقتصادين، وذلك بهدف القضاء على كل الاختلالات التي تعاني منها السياسة الضريبية كما أشرنا سابقا والتي تشكل عائقا للتنمية خالقة بذلك أزمة الدور التوزيعي للدولة، لذا يجب اعادة النظر في السياسة الضريبية القائمة باعتبارها أحد آليات لضمان السلم الاجتماعي ولتحقيق الانتقال الديموقراطي بالمغرب.

المراجع المعتمدة:

الكتب:

  • دمومات عبد الله، الاصلاح الضريبي المغربي العام وبرنامج التقويم الهيكلي، افريقيا الشرق،الطبعة الأولى 1995.
  • هشام مليح، المخزن و الجباية في مغرب ماقبل الحماية، مطبعة الأمنية، الرباط، الطبعة الأولى 2016.
  • محمد حيمود، الاصلاح الميزانياتي بالمغرب،دراسة على ضوء القانون التنظيمي للمالية_2015،مطبعة النجاح الجديدة_الدارالبيضاء،الطبعة الأولى2017.
  • رشيد المدور، البرلمان في ضوء مستجدات الدستور، سلسلة دفاتر في القانون البرلماني المغربي، مطبعة الشمس برينت،الرباط-المغرب، الطبعة الأولى 2019
  • المنتصر السويني، الدستور المالي و النموذج التدبيري الجديد بالمغرب،مطبعة النجاح الجديدة_الدارالبيضاء،الطبعة الأولى 2019
  • عبد النبي أضريف، قانون ميزانية الدولة على ضوء القانون التنظيمي للمالية 130_13، ونصوصه التطبيقية ومستجدات مدونة المحاكم المالية و النظام العام للمحاسبة العمومية، مكتبة المعرفة مراكش، الطبعة الرابعة، 2019
  • حسن صحيب،القانون الإداري المغربي التنظيم الإداري،سلسلة دراسات وأبحاث في الإدارة والقانون، مكتبة المعرفة،الطبعة الثانية ،مارس 2019

الأطروحات و الرسائل:

الأطروحات:

  • عادل فراج، القرار العام وبلورة السياسة العامة: مقاربة لسلطة الفاعلين في بلورة السياسة الضريبية ، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية مراكش، السنة الجامعية 2005_2006.
  • عادل بن جبارة ، الملكية و النخبة السياسية، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه،جامعة محمد الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادية و الاجتماعية وجدة، السنة الجامعية 2006_2007.
  • عبد اللطيف الهلالي،أزمة دولة الرعاية وإشكالية التدبير العمومي، أطرحة لنيل الدكتوراه في الحقوق شعبة القانون العام ،جامعة القاضي عياض ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية و الاجتماعية مراكش، السنة الجامعية 2009_2010.
  • محمد بوجنون، هندسة السياسة الضريبية بالمغرب ورهانات تحقيق دولة الحق والقانون،أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية سطات ، السنة الجامعية 2012_2013.
  • زكرياء مسعودي، دور السياسة الضريبية في معالجة البطالة بالجزائر للفترة( 2000-2016)، جامعة الشهيد حمة لخضر بالوادي، كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير قسم العلوم الاقتصادية،تخصص اقتصاد نقدي وبنكي، السنة الجامعية 2016_2017.

الرسائل:

  • سي محمد غضبان، السياسات الضريبية بالمغرب محاولة في الأبعاد السوسيو سياسية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام ، جامعة القاضي عياض كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية مراكش، الموسم الجامعي 2006_2007.
  • اليازل بدر، السياسة الضريبية في المغرب دراسة سوسيوسياسية للنفقات الجبائية العقارية،رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة،جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية أكدال- الرباط، السنة الجامعية2006 _2007.
  • الشرقي لحرش، سمو الملكية في النظام السياسي و الدستوري المغربي، جامعة الحسن الأول كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية ،السنة الجامعية،2018_2019.

المقالات:

  • مولاي الحسن التمازي، الاصلاح الجبائي المغربي و استراتجية تحقيق التنمية البشرية، المجلة المغربية للادارة المحلية والتنمية ، عدد 69، يوليوز_ غشت 2006.
  • محمد الساسي، الملك يقدم الدستور: قراءة في العلاقة بين نص الخطاب الملكي ل 17 يونيو 2011 ونص الدستور الجديد، دفاتر وجهة نظر،مطبعة النجاح الجديدة،الطبعة الأولى 2011.
  • عبد الرفيع بوداز، السلطات الجبائية للبرلمان في ظل هاجس الحفاظ على التوازنات المالية،منشورات المجلة المغربية للادارة المحلية و التنمية، عدد 101، نونبر-دجنبر 2011.
  • مولاي الحسن التمازي ، موقع الثقافة الحبائية لدى النخب المغربية و مطلب الاصلاح،منشورات حوارات مجلة الدراسات السياسة و الإجتماعية، سلسلة المجلة الفصلية،عدد مزدوج 2و3 – السنة 2017.
  • محمد الغواطي ، الأدوار المالية للملك والحكومة على ضوء الدستور و القانون التنظيمي، مجلة المتوسط للدراسات القانونية و القضائية العدد السادس،2018.
  • عبد الجبار المراكشي، فعالية السياسة الضريبية في تحقيق التنمية المستدامة بالمغرب،منشورات مجلة المنارة للدراسات القانونية و الإدارية، 2019

عن safae wazani

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.