الكراء المدني والكراء التجاري في القانون المغربي – نطاق تطبيق قانوني 67.12 و 49.16

مقدمة:

تعتبر العقود المسماة هي تلك العقود التي خصها القانون باسم معين، ونظمها لشيوعها بين الناس، وهذه العقود إما أن تقع على الملكية، كالبيع، والمقايضة والهبة، والشركة والقرض، والصلح، وإما أن تقع على المنفعة، كالكراء وعارية الاستعمال، وإما أن تقع على العمل وهي المقاولة، والتزامات المرافق العامة، وعقد الشغل، والوكالة والوديعة والحراسة، وكذا نجد العديد من العقود كعقد التأمين وعقود التأمينات الشخصية والعينية (…).

ورغم وجود قواعد عامة تسري على جميع العقود، إلا أن المشرع نظم عقود معينة بالنظر لأهمية هذا التنظيم وفائدته، وتجب الإشارة في هذا الصدد إلى أنه في حالة وجود تنظيم تشريعي خاص لبعض العقود، إلى جانب القواعد العامة، فيجب تطبيق القواعد الخاصة أولا، استنادا لقاعدة الخاص يقيد العام.[1]

ولما كانت القواعد العامة المنظمة للعلاقة الرابطة بين المكري والمكتري والمنصوص عليها في ظهير الالتزامات لا تضمن الاستقرار وتتميز بكونها قواعد عامة، عمل المشرع على إصدار قواعد قانونية تمتاز بطابع خاص وتساهم في التيسير على المتعاملين.

وبناء على ذلك فإن لعقود الكراء أهمية قانونية بالغة تتدعم على العديد من المجالات سواء اقتصاديا أو اجتماعيا، لما لها من حضور في حياة الناس بما يجعل المشرع يسلط اهتماماته لتنظيم العلاقات بين المكري والمكتري، فيصبح التنظيم القانوني حلا في خدمة المتعاملين بالعقد، خاصة في العقارات إلى درجة تكاد تجعل من هذه العلاقة التعاقدية إحدى الأهداف السياسية الداخلية للسلطة العامة باعتبارها من مكونات عناصر ضمان الأمن الاجتماعي.

وهذا الحرص التشريعي يمثل مظهرا عاما يبرز كلما انصبت السياسة التشريعية على تنظيم ما يعرف بالعقود المسماة التي تتطلب أحكاما خاصة ينفرد بها كل عقد منها كتعبير عن أهمية العقود فيما تتطلبه من تجاوز للنظرية العامة، كما أن تدخل المشرع في المجال التعاقدي بما يتضمنه من حماية للنظام العام قد يكون تعبيرا وإقرارا بكثرة تداول العقد المعني بالتنظيم وديمومة انتشاره وكثرة استعماله، فنسبة كبيرة من السكان لا يملكون مساكنهم، وأغلب التجار لا يملكون متاجرهم، وكذلك الأمر ذاته بالنسبة للصناع والحرفيين والمهنيين.[2]

وبالنظر إلى كون عقود الكراء تأتي على صور عديدة، كما تشمل أحكام ومواضيع موزعة ومتفرقة، كالكراء الطويل الأمد وكراء الأحباس والكراء المدني والتجاري، ارتأينا التركيز على هذان الأخيران، ولما كان لكل قاعدة قانونية نطاق تطبيقها باعتبار أن القانون يتكون من مجموعة من القواعد والمقتضيات، كان لابد وأن ينصب تركيزنا على نطاق تطبيق قانون الكراء المدني وكذا الكراء التجاري.

وكما هو معلوم فإن تطبيق القانون هو معرفة المخاطبين به، فالقانون ينظم سلوك الأفراد في المجتمع، وعلى الأفراد أن يوفقوا سلوكهم وفقا له، فالقانون أداة لحل مشاكل الأفراد في المجتمع وتطبيق القانون يقتضي تحديد مجال التطبيق، أي تحديد نطاقه.

وبناء على ما سبق فإن الموضوع يطرح إشكالية مفادها:

إلى أي حد وفق المشرع المغربي من خلال تحديد نطاق تطبيق قانوني 67.12 و49.16 المتعلقين بالكراء المدني والكراء التجاري؟

وللإجابة على الإشكال المطروح، سنبحث في الأحكام المتعلقة بنطاق تطبيق الكراء المدني والكراء التجاري، وسنعتمد في ذلك على التقسيم التالي:

  • المبحث الأول: مجال تطبيق قانون 67.12 المتعلق بالكراء المدني
  • المبحث الثاني: نطاق تطبيق قانون 49.16 المتعلق بالكراء التجاري

 

المبحث الأول: مجال تطبيق قانون 67.12 المتعلق بالكراء المدني

خصص المشرع لتنظيم العلاقة بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكن والاستعمال المهني قانون رقم 67.12 والذي صدر في 19 نوفمبر 2013 والذي نسخ القانون رقم 6.79.

وأول ما يجب الإشارة إليه بخصوص مجال تطبيق قانون 67.12 المتعلق المنظم للأكرية السكنية والمهنية هو أن المشرع عرف هذا القانون، وأبرز مجال تطبيقه، وهو ما سنبحث فيه.[3]

المطلب الأول: عنصر الزمان

لقد جاء القانون 67.12 لوضع حد لتطبيق القانون 6.79 الصادر بتنفيذه ظهير 25 دجنبر 1980 الذي صدر لفترة زمنية وقتية  ومحددة، وليحكم العلاقات الحالية والمستقبلية، وهو ما يمثل وضعا مستقرا لهذه العلاقات، وقد جعله المشرع يمتد بأثرين، فوري ورجعي ابتداء من تاريخ دخوله حيز التنفيذ.

فبالنسبة للأثر الفوري: نص المشرع على أن هذا القانون ينظم العلاقة التعاقدية بين المكري والمكتري ابتداء من تاريخ دخوله حيز التنفيذ وهو 30 ـ 11 ـ 2013 أي من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، وانطلاقا من ذلك فإنه سيحكم جل الأكرية التي أبرمت في ظله.

أما بالنسبة للأثر الرجعي: أي أن هذا القانون لا يحكم القضايا التي لم تكن بتاريخ نشره جاهزة للبت فيها، بل هذا القانون يعني القضايا التي كان باب المرافعات فيها لا زال مفتوحا لذا كل دعوى مرفوعة، بحيث أنه كان لا يحكم القضايا التي لم تصدر بتاريخ نشره، والتي بقيت خاضعة لأحكام ظهير 1980.[4]

المطلب الثاني: عنصر المكان

فقد نص المشرع المغربي في المادة الأولى من قانون 67.12 المتعلق بالكراء المدني على أنه “تطبق مقتضيات هذا القانون على أكرية المحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني مؤثثة أو غير المؤثثة، التي تفوق مدة كرائها ثلاثين يوما، وكذا مرافقها من أقبية ومرائب وأسطح وساحات وحدائق والتي لا تخضع لتشريع خاص”.[5]

وطبقا لهذه المقتضيات فإنه يخضع لقانون 67.12 المتعلق بتنظيم المحلات بين المكري والمكتري جل الأماكن المعدة للسكن أو الاستعمال المهني أينما كان موقعها وكيفما كان تاريخ بنائها، أي سواء وجدت هذه الأماكن في المدن أو في البادية أو بالأحياء الجديدة أو في الأحياء القديمة.

وما يميز هذا القانون هو وحدة النص إذ أنه وقبل 30 نوفمبر 2013 كانت تلك الأماكن خاضعة لظهير 1980، أما الأماكن الواقعة في الأحياء الجديدة خاضعة لظهير يونيو 1955، في حين تبقى الأماكن الموجودة في الأحياء القديمة خاضعة للقواعد العامة، هذا التنوع في القوانين كان يطرح عدة مشاكل لعدم وجود نص واحد ينظم علاقات المكري بالمكترين، كما تسبب في منازعات عديدة بشأن تنوع المعايير المتبعة آنذاك في تحديد الوجيبة الكرائية، وإزاء هذه الأوضاع عمل المشرع على إقرار قانون 67.12 الذي يشمل كراء الأماكن المعدة للسكن وللاستعمال المهني، والمرافق التابعة لها داخل أقاليم المملكة بالمدن أو البادية على حد سواء، في محاولة لإيجاد حلول للمنازعات والإشكالات التي كانت تطرح في إطار العلاقة التعاقدية بين المكري والمكتري.[6]

المبحث الثاني: مجال تطبيق قانون 49.16 المتعلق بالكراء التجاري

ويمكن القول أن مسألة معرفة نطاق تطبيق قانون رقم 49.16 المتعلق بالكراء التجاري غاية في الأهمية، لا يسما ما وقع في هذا الشأن من تعديلات، والتي تختلف نوعا ما عن ما كان منصوصا عليه في مقتضيات ظهير 24 ماي 1955 الملغى،[7] حيث وسع المشرع المغربي من مجال تطبيق القانون المتعلق بالكراء التجاري في العقارات والمحلات المعنية به من خلال المادة الأولى من نفس القانون، وهو ما سنطرق له، إلى جانب الاستثناءات الواردة على نطاق تطبيق قانون الكراء التجاري.

المطلب الأول: الأكرية الخاضعة لقانون 49.16 المتعلق بالكراء التجاري

استنادا إلى المادة الأولى من قانون 49.16 فإن مقتضيات هذا الأخير تطبق على ما يلي:

  1. عقود كراء العقارات أو المحلات التي يستغل فيها أصل تجاري في ملكية تاجر أو حرفي أو صانع؛
  2. عقود كراء العقارات أو المحلات الملحقة بالمحل الذي يستغل فيها الأصل التجاري؛

في حالة تعدد المالكين، فإن ضم استغلال المحل الملحق بالمحل الأصلي يجب أن يكون بموافقة مالكي العقار الملحق والأصلي؛

  1. عقود كراء الأراضي العارية التي شيدت عليها، إما قبل الكراء أو بعده، بنايات لاستغلال أصل تجاري بشرط الموافقة الكتابية للمالك؛
  2. عقود كراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي التي تدخل في نطاق الملك الخاص للدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية، مع مراعاة الاستثناء الوارد في البند الثاني من المادة الثانية بعده.

وتسري مقتضيات هذا القانون أيضا على عقود كراء المحلات الآتي ذكرها:

  1. العقارات أو المحلات التي تمارس فيها مؤسسات التعليم الخصوصي نشاطها؛
  2. العقارات أو المحلات التي تمارس فيها التعاونيات نشاطا تجاريا؛
  3. العقارات أو المحلات التي تمارس فيها المصحات والمؤسسات المماثلة لها نشاطها؛
  4. العقارات أو المحلات التي يمارس فيها النشاط الصيدلي والمختبرات الخاصة للتحاليل البيولوجية الطبية وعيادات الفحص بالأشعة.[8]

وبناء على ما سبق، فإن مجال تطبيق قانون الكراء التجاري تحدده وكما رأينا أعلاه المادة الأولى منه، وما يلاحظ في هذا الخصوص أن نطاق تطبيق القانون المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الحرفي أو الصناعي، منظما بشكل أكثر وضوحا ودقة، وذلك من خلال التأكيد على استغلال أصل تجاري بالمحل أو العقار المكري كمعيار محدد لنطاق التطبيق.

وإلى جانب ذلك احتفظ المشرع ببعض الحالات التي كانت ضمن نطاق تطبيق ظهير 24 ماي 1955، وفي المقابل قام  بتوسيع مجال التطبيق ليشمل أيضا أنشطة جديدة (التعاونيات ـ المصحات والمؤسسات المماثلة لها ـ العقارات والمحلات التي يمارس فيها نشاط صيدلي).

وبخصوص حالة تعدد المالكين الواردة في البند الثاني من المادة الأولى من قانون الكراء التجاري، بشأن ضم واستغلال المحل الملحق بالمحل الأصلي، يثار التساؤل حول شكل الموافقة الصادرة عن مالكي العقار الملحق والأصلي، هل تكون موافقة كتابية أم شفوية؟

ورغم أن البند الثاني من هذه المادة لم ينص صراحة على الموافقة الكتابية لمالكي العقار والملحق، فإن كراء عقار لإلحاقه بالمحل الأصلي يقتضي إبرام عقد مكتوب يتضمن من بين شروطه الموافقة الكتابية.

أما بالنسبة لعقود كراء الأراضي العارية التي شيدت عليها قبل الكراء أو بعده بنايات لاستغلال أصل تجاري، فإن هذه الحالة كان منصوصا عليها حرفيا في البند 2 من الفصل 1 من ظهير 24 ماي 1955، وتتعلق، على سبيل المثال، بالحالة التي يتفق فيها الطرفان على كراء أرض عارية مشيد جزء منها بناء، أو سيتم تشييده فيما بعد ليمارس فيه نشاط تجاري أو صناعي أو حرفي، فلكي يخضع هذا العقار لنطاق تطبيق هذا القانون، لابد من الموافقة الكتابية للمالك.[9]

المطلب الثاني: الأكرية غير المشمولة بقانون 49.16 المتعلق بالكراء التجاري

إذا كان المشرع المغربي قد حصر العقارات والمحلات الخاضعة لقانون رقم 49.16 المتعلق بالكراء التجاري بمقتضى المادة الأولى، فإنه وفي مقابل ذلك عمل على تحديد العقارات والمحلات الغير المشمولة بهذا القانون، وذلك من خلال المادة الثانية من نفس القانون حيث استبعد من مجال التطبيق:

  • عقود كراء العقارات أو المحلات التي تدخل في نطاق الملك العام للدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية؛
  • عقود كراء العقارات أو المحلات التي تدخل في نطاق الملك الخاص للدولة أو في ملك الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية حينما تكون تلك الأملاك مرصودة لمنفعة عامة.
  • عقود كراء العقارات والمحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي التي تدخل في نطاق الأوقاف: والعلة في ذلك هو كون الأوقاف لها خصوصياتها ولها أحكامها، فهي تخضع لمدونة الأوقاف الصادرة سنة 2010.
  • عقود كراء العقارات أو المحلات المخصصة لاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي التي تبرم بناء على مقرر قضائي أو نتيجة له: فهذه العقود هي الأخرى خارجة عن مجال تطبيق قانون الكراء التجاري.[10] ومثال ذلك العقود المبرمة في إطار الحراسة القضائية أو تسيير قضائي كيفما كان نوعه والمبرم بناء على أمر قضائي.[11]
  • عقود كراء العقارات أو المحلات الموجودة بالمراكز التجارية:

ولنا أن نتساءل عن المقصود بالمراكز التجاري؟

وكإجابة، نجد أن المشرع المغربي لم يغفل تعريف المركز التجاري، حيث عرفها في المادة 2 من قانون الكراء التجاري بأنه كل مجمع تجاري ذي شعار موحد مشيد على عقار مهيأ ومستغل بشكل موحد، ويضم بناية واحدة أو عدة بنايات تشتمل على محلات تجارية ذات نشاط واحد أو أنشطة متعددة، وفي ملكية شخص ذاتي أو عدة أشخاص ذاتيين أو شخص اعتباري أو في عدة أشخاص اعتباريين، ويتم تسييره بصورة موحدة إما مباشرة من طرف مالك المركز التجاري أو عن طريق أي شخص يكلفه هذا الأخير.

وأضاف المشرع تعريف للتسيير، حيث يقصد به كل التدابير التي تتخد لتحسين سمعة وجاذبية المركز التجاري والرفع من عدد زواره كالإشهار أو التنشيط أو التسويق أو ضمان احترام المميزات والخصائص التقنية والهندسية للمركز أو تنظيم ساعات العمل أو الحراسة أو النظافة، ولعل السبب الذي اعتمده المشرع من خلال قانون رقم 49.07 لاستبعاد هذا النوع من المحلات هو غياب مفهوم الزبائن واعتبار أن الزبون لا يأتي للمحل التجاري بعينه بقدر ما أنه يأتي إلى المركز التجاري ككل.[12]

  • عقود كراء العقارات أو المحلات المتواجدة بالفضاءات المخصصة لاستقبال مشاريع المقاولات التي تمارس نشاطها بقطاعي الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، وكذا جميع الخدمات ذات الصلة، بما في ذلك ترحيل الخدمات، والتي تنجزها الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية أو المقاولات التي تملك فيها الدولة أو شخص من أشخاص القانون العام مجموع أو أغلب رأسمالها بهدف دعم وتطوير أنشطة مدرة للدخل ومحدثة لفرص العمل، فالترحيل إذن يعني إعادة توطين الشركات الكبرى الأجنبية في البلدان ذات الأجور والتكاليف المنخفضة.
  • استبعاد عقود الكراء الطويل الأمد من مجال تطبيق أحكام قانون رقم 49.16: بحيث يرجع في أحكامه إلى مدونة الحقوق العينية قانون رقم 39.08، فعقد الكراء الطويل الأمد للعقارات يخول للمستأجر حقا عينيا قابلا للرهن الرسمي، ويمكن تفويت هذا الحق وحجزه طبقا للشرط المقررة في الحجز العقاري، كما أنه يجب يكون هذا الكراء لمدة تفوق عشر سنوات دون أن تتجاوز أربعين سنة وينقضي بانقضائها.[13]
  • عقود الائتمان الايجاري: لقد استثنت المادة 2 من نطاق تطبيق قانون رقم 49.16 عقود الائتمان الايجاري.[14] فبخصوص الائتمان الإيجاري العقاري فهو من الأكرية التي استبعدها المشرع من الخضوع للقانون 49.16 والإبقاء على خضوعها لمدونة التجارة، ذلك أن مفهوم عقد الائتمان التجاري العقاري يتحدد في كل عملية إكراء للعقارات المعدة لغرض مهني تم شرائها من طرف المالك أو بناها لحسابه، إذا كان من شأن هذه العملية كيفما كان تكييفها أن تمكن المكتري من أن يصير مالكا لكل أو لبعض الأموال المكتراة على أبعد تقدير عند انصرام أجل الكراء (الائتمان الإيجاري).[15]

 

 

خاتمة:

بالرغم من كون القضاء هو الميدان الخصب لتطبيق قواعد القانون، إلا أنه لكل قانون نطاق سريانه ولا يجوز تجاوزه، وذلك من حيث الأشخاص أو من حيث المكان الذي يطبق داخله، أو من حيث الزمن الذي تسري عليه قواعد، حيث تحكم تطبيق القانون بخصوص كل ذلك قواعد وأحكام تعتريها استناءات.

فبالرجوع إلى مقتضيات قانون رقم 49.16، يتضح أن المشرع عمل على وضع تفرقة بخصوص مجال التطبيق، فقد حددت المادة الأولى من هذا القانون مجال تطبيقه، وفي المقابل عملت المادة الثانية من نفس القانون على تحديد مستثنيات تطبيق القانون 49.16 المتعلق بالكراء التجاري، كما نجد المشرع تطرق لمجال تطبيق قانون 67.12 في المادة الأولى منه.

وصفوة القول، فإن الواقع أفرز العديد من الإشكالات القانونية، فكثيرة هي الحالات التي يبرم فيها شخص عقد كراء مع مالك العقار أو المحل التجاري، ليفاجئ بعدها على أنه غير مكتسب للحق في الكراء الذي يخول لكل مكتري الاستمرار بالمحل المكترى، وذلك إما راجع لطبيعة العين المكتراة أو لعدم تحقق شرط المدة المتطلبة قانونا لكسب هذا الحق.

وما يمكن قوله بخصوص العناية التي أولاها المشرع المغربي للكراء المدني والكراء التجاري، أن عقد الكراء يجسد آلية مهمة للتقليص من العجز السكني والسكن غير اللائق، وخلق بنية عقارية فيها من الضمانات ما يشجع المستثمرين على الاستثمار في أموالهم بكل ثقة واطمئنان، كما يعد الكراء وسيلة مهمة تستجيب لحاجيات المهنيين والأسر حديثة التكوين، ليس فقط بل يساهم في حل  العديد من المشاكل التي يعرفها المجتمع.

والمشرع أحسن صنعا حين استحضر مختلف الأبعاد بعين الاعتبار، لاسيما مبدأ الاستقرار القانوني في العلاقات الكرائية، وإعادة التوازن للعلاقات بين المكري والمكتري.

وفي ختام الموضوع نشير إلى أن النتيجة الحتمية للأمن القانوني، تتمثل في السلم الاجتماعي، حيث يطمئن الأفراد على حقوقهم ومراكزهم، ولا يحصل هذا الاطمئنان بالفعل إلا بالقدر الذي يقتنع فيه الأفراد بأن القواعد الموضوعية تحقق المساواة في الحقوق، وأن القواعد الإجرائية تضمن تفعيل هذه الحقوق أمام القضاء، والجهات الإدارية.

والله ولي التوفيق

[1]  ـ راجع في ذلك: أيت الحاج مرزوق: الوجيز في نظرية الالتزام، الطبعة: الثانية، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، السنة الجامعية: 2014، ص: 116.

[2]  ـ راجع في ذلك: خليفة الخروبي: العقود المسماة الوكالة ـ البيع والمعاوضة ـ الكراء ـ الهبة طبعة منقحة ومزيدة، الطبعة الثانية: تونس 2013، منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص. ص: 235.

[3]  ـ صدر القانون رقم 67.12 المتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 111.13.1 المؤرخ في 2013\11\19 وهو القانون الذي دخل حيز التطبيق بتاريخ 28 فبراير 2014 وقد نسخ هذا القانون مقتضيات القانون 6.79 الصادر بتنفيذه ظهير 25 دجنبر 1980.

[4]  ـ أنظر: محمد محروك: محمد محروك: الوجيز في العقود المسماة والبيوعات والأكرية الواردة على العقار في ضوء آخر تعديلات، الطبعة: 2017، ص: 2009 ـ 2008.

[5]  ـ المادة الأولى من قانون 67.12 المتعلق بالكراء المدني، أو ما يعرف بقانون الكراء المنظم للأكرية السكنية والمهنية، الجريدة الرسمية عدد 6208 بتاريخ 28\11\2013.

[6]  ـ راجع في ذلك: محمد محروك: م.س، ص: 208 ـ 209.

[7]  ـ راجع في ذلك: جواد الرفاعي، الكراء التجاري الثابت والمتغير في ضوء القانون رقم 49.16، الطبعة الأولى: نونبر 2018، الطبع: مطبعة الأمنية ـ الرباط، ص: 7.

 

[8]  ـ أنظر: المادة الأولى من قانون رقم 49.16 المتعلق بالكراء التجاري، صادر 18 يوليو 2016.

[9]  ـ  وزارة العدل: القانون 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي في شروح، السنة: 2017، ص: 30.

[10]  ـ راجع: محمد محروك: م.س، ص: 213.

[11]  ـ أنظر: وزارة العدل: القانون 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي في شروح، السنة: 2017، ص: 23.

[12]  ـ محمد محروك: م.س، ص: 2014.

[13]  ـ راجع في ذلك: مصطفى بونجة: نطاق تطبيق القانون رقم 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي، مقال منشور في ـ موقع مغرب القانون ـ تم الاطلاع عليه: 28 ـ 2 ـ 2021، تم نشره في الثلاثاء 23 أغسطس 2016.

[14]  ـ كل وكيف يكيف هذا العقد ويقدم الحجج انطلاقا من قناعته بذلك، ويمكننا حصر الأوصاف التي خلص إليها هؤلاء الباحثين في كونه عقد إيجاري مالي مع وعد انفرادي بالبيع من جانب شركة الائتمان الايجاري، عقد كراء أو عقد شراء، أو مشارطة للغير، أو عقد الائتمان، أو عقد وكالة أو عقد بيع بالتقسيط أو عقد مسمى.

ـ راجع في ذلك: أحمد الجباري: محاضرات في التوثيق والعقود، السنة الجامعية: 2019 ـ 2018.

[15]  ـ راجع في ذلك: محمد محروك: م.س: ص: 2015.

عن safae wazani

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.