المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

   المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

 

     مقدمة   

مما لا شك فيه أن تطلب الإدراك والتمييز كعناصر في المسؤولية الجنائية يقتضي التسليم بأن الإنسان هو وحده دون سواه الذي يصلح لتحمل المساءلة الجنائية.

وإن كانت هذه هي القاعدة، فهناك حالات أخرى تقبل فيها الفكر القانوني إسناد المسؤولية الجنائية لغير إنسان، ويتعلق الأمر بالأشخاص المعنوية أو الاعتبارية كما ورد في دستور 2011، وهي تعد حقا من المسؤوليات التي أثارت ولا زالت جدلا فقهيا وقانونيا منذ وقت طويل.

والشخص المعنوي هو : ” مجموعة من الأشخاص والأموال التي يعترف لها القانون بالشخصية القانونية المستقلة، فتكون بالتالي قابلة لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات وينقسم بدوره إلى أشخاص معنوية عامة وأشخاص معنوية خاصة.

وإذا ما وضعنا مسؤولية الشخص المعنوي في سياقها التاريخي نجدها قد عرفت اختلافا بين القوانين والمذاهب الفقهية فمثلا، في القانون الروماني نجد أن الفقه انقسم بخصوص مساءلة الشخص المعنوي بين إقرار مسؤولية هذه الأخير إذا كان الفعل صادرا عن أغلبية أعضائه ومن اعتبر الشخص المعنوي افتراضي ومجازي ( سافييني جريك ).

أما بخصوص القانون الفرنسي فيرى الفقهاء بأن القانون الفرنسي القديم كان يقر المسؤولية للشخص المعنوي جنائيا كان متلائما ومنسجما ومنطق الحكم الملكي المطلق الذي كان يعاقب المدن والبرلمان[1].

وعلى مستوى الفقه الإسلامي لم نجد فكرة الشخصية المعنوية كنظرية عامة مؤصلة ونظرته للشخصية أو للذمة انحصرت في الذمة الطبيعية وحدها.

وتتجلى أهمية المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي في طرحها للنقاش في عدة مؤتمرات دولية، ونخص بالذكر المؤتمر الدولي الثاني لقانون العقوبات في بوخارست سنة 1929، مؤتمر روما 1953 والمؤتمر الدولي السابع لقانون العقوبات الذي عقد في أثينا سنة[2] 1957، وقد خرجت هذه المؤتمرات بمجموعة من التوصيات نجملها في أن لكل مجتمع الحق في مواجهة الأشخاص المعنوية وما قد تشكله من خطورة عليه، ولا يخفى أن تطور المجتمع وتقدم الإنسانية في مجالات الاقتصاد والصناعة وتطور الفكر القانوني المؤطر لهذه المجالات فرض علينا كيانا واقعيا متمتع بالشخصية القانونية مرتكز بجميع بقاع العالم وأن خطورته تتصاعد يوما بعد يوم.

فتطور الأشخاص المعنوية على المستوى الكمي والنوعي[3] ساهم في تطورها في جرائم غاية في الخطورة والفظاعة نذكر منها : الجرائم البيئية والجرائم الإلكترونية والاقتصادية وأخرى أكثر انتشارا وهي الجرائم عبر وطنية كالإتجار بالبشر، والجرائم الارهابية وغسل الأموال وغيرها.

وبالرجوع للتشريع الجنائي المغربي وعلى غرار التشريعات المقارنة التي لم تنص صراحة على مساءلة الشخص المعنوي، نجده في فصل وحيد ” يتيم” هو الفصل 127 على الجزاءات المقررة للشخص المعنوي دون أن ينص صراحة على أن الشخص المعنوي يساءل جنائيا وهذا ما جعل البعض يتحفظ على الإقرار الفعلي للمسؤولية الجنائية لهذا الأخير ومستبعدا مستندا على الفصلين الأول و132 من مجموعة القانون الجنائي التي تساءل فقط الأشخاص الطبيعية، ويعتبر الفصل 127 نشازا ومخالفا للشرعية الجنائية.

وارتباطا بالفصل 127 والفراغ التشريعي أو الغموض الذي يلتف بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، يمكننا طرح الإشكالية التالية :

ما مدى إمكانية مساءلة الشخص المعنوي جنائيا في ظل مقتضيات التشريع المغربي ؟

المبحث الأول:  أساس المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

تعتبر مسألة إخضاع الشخص المعنوي للمسؤولية الجنائية ٬ من المسائل القانونية التي أثارت جدلا قانونيا و فقهيا حادّا، ومرد ذ لك اختلاف التكييف القانوني للشخص المعنوي لذا سنحاول التطرق لهذا الجدل من خلال (المطلب الأول) .

وكما هو معلوم أن إقرار المسؤولية الجنائية يعتبر من بين أهم الأسس التي أصبحت جل التشريعات تتبناها، غير أنه يتعين تحديد نطاق هذه المسؤولية خاصة على مستوى تحديد الأشخاص المعنوية المسؤولة جنائيا ،ثم التطرق إلى الجرائم موضوع المساءلة (المطلب الثاني).

المطلب الأول : موقف الفقه والتشريع من مساءلة الأشخاص المعنوية جنائيا

إذا كانت المسؤولية المدنية للأشخاص المعنوية لا تثير أي إشكال قانوني[4]، فإن الأمر  على العكس من ذلك في المسؤولية الجنائية لهذه الأشخاص، حيث أثارت جدلا فقهيا كبيرا انبثق عنه اتجاهان فقهيان: اتجاه تقليدي ينكر مساءلة الأشخاص المعنوية جنائيا، واتجاه حديث يؤكد ضرورة إقرار هذه المسؤولية ولكل منهما حجج وبراهين يستندان إليهما وهذا ما سنتناوله كمطلب أول، لنتطرق في مطلب ثاني لمواقف التشريعات المقارنة التي تباينت هي الأخرى بخصوص الأخذ بهذه المسؤولية من عدمه.

الفقرةالأولى : موقف الفقه من مساءلة الأشخاص المعنوية جنائيا

تنازع موضوع المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي تياران فقهيان متعارضان أحدهما رافض لهذه المسؤولية وآخر مؤيدا لها.

أولا : الاتجاه المعارض للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

يرفض هذا الاتجاه بشكل قطعي مسؤولية الأشخاص المعنوية ويسندها إلى الأشخاص الطبيعية التي تمثلها والذين يتبنون هذا الرأي هم أصحاب الاتجاه الكلاسيكي مدعمين موقفهم بمبررات يمكن حصرها في مجالين :

1- في مجال التجريم : طبقا لهذا المذهب فالشخص الطبيعي هو الوحيد الذي يتمتع بالشخصية القانونية، بالنظر إلى ما يملكه من الإرادة التي من شأنها أن تكون له الأهلية اللازمة لإكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات.

وعليه فإن هذا الاتجاه تتمثل مبررات رفضه لمساءلة الشخص المعنوي في مجال التجريم ما يلي :

أ- طبيعة الشخص المعنوي : تشكل هذه الحجة مربط الفرس في إنكار المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية ومنطلق كل المعارضين من الفقه والقضاء[5].

وتقوم على أساس أن الشخص المعنوي مجرد افتراض قانوني وليس له وجود مادي وهذا الافتراض اقتضته الضرورات العملية التي تمكن الشخص المعنوي من التعاقد وامتلاك الأموال ولكن هذا الافتراض لا يمتد إلى نطاق المسؤولية الجنائية لأن القانون الجنائي لا يقوم إلا على الحقيقة.

ب-عدم توفر الإرادة والإدراك الأشخاص المعنوية : تقوم هذه الحجة على أساس أن الأشخاص المعنوية لا تتوفر على الإرادة والإدراك المتوفرة لدى الشخص الطبيعي والتي تعتبر الأساس الذي تقوم عليه المسؤولية الجنائية[6].

ج-مبدأ التخصص يحول دون مساءلة الشخص المعنوي جنائيا[7]

يذهب من أنصار الاتجاه المعارض لمسؤولية الشخص المعنوي الجنائية إلى القول بأن وجود هذا قائم أصلا على أساس مبدأ التخصص بمعنى أنه يستمد وجوده من الغاية التي أنشئ من أجلها ولا وجود له خارج تلك الغاية، فإذا ارتكب الشخص المعنوي جريمة ما فإنها تكون منعدمة الشخصية المعنوية في هذا النشاط الجنائي.

2 – في مجال العقاب : يرفض هذا الاتجاه تحميل المسؤولية للأشخاص المعنوية باعتبار أن أهم العقوبات الجنائية لا تطال إلا الشخص الطبيعي، كما أن تطبيق بعض هذه العقوبات يتعارض ومبدأ شخصية العقوبة كما يؤدي إلى إفراغ العقوبة من أهم وظائفها المتمثلة في الردع والإصلاح.

أ-طبيعة العقوبات الجنائية : يرى المعارضين لتقرير مبدأ المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي : أن أغلب العقوبات التي يتضمنها التشريع الجنائي كالعقوبات السالبة للحرية تدل على عدم انصراف إرادة المشرع إلى مسألة الأشخاص المعنوية، لأن هذه العقوبات قد وصفت للبشر

ومن الطبيعي جدا، أن هذه العقوبات لا يمكن تصور إنزالها على الشخص المعنوي وأما ما يمكن تطبيقه كعقوبة في حق الشخص المعنوي من عقوبات هو المصادرة والغرامة على الرغم من أن تنفيذها تكتنفه عدة صعوبات في الحالة التي يقوم فيها الشخص المعنوي بعدم دفع الغرامة ويقرر المشرع حينها تطبيق الإكراه البدني وهو ما لا يمكن تنفيذه في حق الشخص المعنوي.

ب- عدم جدوى العقوبة بالنسبة للشخص المعنوي: يرى أنصار هذا الاتجاه أن تطبيق العقوبة على الشخص المعنوي هو أمر غير مجدي وذلك لكونها لا تحقق أهم أغراض العقوبة في إصلاح المحكوم عليه وتقويمه وإدماجه في المجتمع، باعتبارها أساسية للعقوبة التي لا يمكن تصورها في حالة الشخص المعنوي (الردع الخاص)، فضلا أن العقوبة التي ستوقع على الشخص المعنوي هي عقوبة صورية فإذا تقرر حل الشخص المعنوي، فإنه يستطيع أن ينشأ شخصا معنويا آخرا بدلا عنه في الحال تحت اسم آخر.

ج- التعارض مع مبدأ شخصية العقوبة: يستند المعارضون لمبدأ مسؤولية الأشخاص المعنوية جنائيا إلى أن التسليم بهذه المسؤولية ينطوي على إخلال بأهم مبدأ من المبادئ التي يقوم عليها[8] القانون الجنائي، لأن الأخذ بمسؤولية الشخص المعنوي الجنائية تؤدي إلى جعل العقوبة ماسة بكل شخص حقيقي له مصالح في الشخص المعنوي دون تمييز وقد يكون هذا الشخص بريئا من الجريمة التي وقعت، الأمر الذي يؤكد أن المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي تمثل خروجا عن الأصل.

ثانيا: الاتجاه المؤيد للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

يتجه الفقه الجنائي الحديث إلى المطالبة بتقرير المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية مفندا حجج المعارضين على أساس أنها حجج واهية وتفتقد للدقة والموضوعية كما واجهت القائلين بجواز مساءلة الأشخاص المعنوية جنائيا، عدة صعوبات أهمها الإسناد بوجهيه المادي والمعنوي فيما يتعلق بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي وهذا ما أدى إلى ظهور العديد من النظريات:

1- الرد على حجج المعارضين: يرى القائلون بهذا الاتجاه أن المعارضين للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي بنوا حججهم على أساس فهم خاطئ لطبيعة الشخص المعنوي الأمر الذي يحتم إعادة النظر فيما قيل مدعمين موقفهم هذا بمجموعة من الحجج يمكن إجمالها فيما يلي:

أ-طبيعة الشخص المعنوي لا تتناقض مع تقرير مسؤولية الجنائية:

إن الاتجاه الذي يرى أن الشخصية المعنوية ليست إلا افتراض يتذرع المنادون به إلى حجة لم يعد لها أساس من الصحة – حسب الرأي المتجسد في الاتجاه الحديث  هجر أمام مجر هؤلاء لنظرية الافتراض وما يدعم هذا الرأي أن الشخص المعنوي له وجود حقيقي من الناحية القانونية فإنه بذاته متميز ومستقل عن الأشخاص المكونة له حيث له إرادة خاصة ومصالح مستقلة وذمة مالية مستقلة. [9]

ب-تمتع الشخص المعنوي بإرادة مستقلة:

يستتبع التأكيد على الوجود الحقيقي للشخص المعنوي للشخص التسليم بأن هذا الشخص يتمتع بإرادة مستقلة والتي تتمثل في مجموع إرادات الأشخاص الطبيعيين المكونين له وتعد هذه الإرادة الجماعية مصدر القصد الجنائي كما هو عليه الحال بالنسبة للشخص الطبيعي مع وجود اختلاف في مظهر الإرادتين مرده إلى الطبيعة الخاصة والذاتية للشخص المعنوي[10].

ج-مبدأ التخصص لا يحول دون مساءلة الشخص المعنوي:

يرى أنصار هذا الاتجاه أنه على الرغم من كون ارتكاب الجرائم يخرج عن الأهداف المسطرة للشخص المعنوي لا يشكل مبررا لعدم مساءلته حيث أن مبدأ التخصص لا يخرج عن كونه قاعدة إدارية.

د-وجود عقوبات ملائمة للشخص المعنوي:

يرى الفقه المنادي بتقرير مسؤولية الشخص المعنوي أن التذرع بأن أغلب العقوبات الجنائية لا يمكن توقيعها على الشخص المعنوي لا ينهض دليلا لاستيعابها وذلك لأنه من الممكن وضع عقوبات جنائية تلائم طبيعة الشخص المعنوي مع العلم أن العقوبات التقليدية كالإعلام والعقوبات السالبة للحرية أضحت غير فعالة حتى بالنسبة للشخص الطبيعي ومن هذه العقوبات الغرامة، المصادرة والإغلاق ، بل إن عقوبة الإعدام التي يتمسك بها أنصار رفض المسؤولية كدليل على قوة موقفهم، يمكن تطبيقها على الشخص المعنوي عن طريق عقوبة الحل، فحل الشخص المعنوي في حد ذاته إعدام له.

ر-لا علاقة بغاية العقوبة بالقدرة على ارتكاب الجريمة:

يستند أنصار المذهب إلى أن الغرض من العقوبة هو الإصلاح والتهذيب فقط، بل أيضا تهدف إلى تحقيق أهداف أساسية أهمها الردع والوقاية.

ز-عدم تعارض مسؤولية الشخص المعنوي مع مبدأ شخصية العقوبة:

يؤكد المؤيدون لمبدأ تقرير المسؤولية الجنائية للشخص، أن هذه المسؤولية لا تشكل أي خرق لمبدأ شخصية العقاب[11]، ذلك لأن العقوبة توقع مباشرة على الشخص المعنوي، حيث إذا مست أعضاءه من الأشخاص الطبيعيين وذلك عن طريق غير مباشر بحكم الضرورة كما في الحالة التي يتعدى أثر العقوبة إلى أفراد أسرة الجاني فإذا ثم حبسه ففي هذا حرمان من مورد رزقهم.

نخلص من خلال استعراض مختلف الحجج التي استند عليها كل من الاتجاهين التقليدي والحديث، أن الرأي القائل بعدم إمكانية مساءلة الشخص المعنوي من شأنه تشجيع الأشخاص الطبيعيين على اتخاذ هذه الأشخاص كوسيلة للاختفاء وراءها من أجل ارتكاب جرائم مادام أنها غير معاقبة جنائيا، ونظرا للدور الذي أصبحت تضطلع به الأشخاص المعنوية في مجتمعنا المعاصر واتساع دائرة نشاطها ومما تتوفر عليه من وسائل وإمكانيات فإنها قد تمثل أحيانا خطرا على المجتمع والأفراد قد يفوق حجمه الضرر الذي يحدثه الشخص الطبيعي عند ارتكابه جريمة ما،  نجد أن الاتجاه التقليدي بدأ يسير نحو الانقراض بدليل أن المشرع الفرنسي لم يعتمد الاتجاه التقليدي وقرر مساءلة الشخص المعنوي بموجب القانون الجنائي الذي دخل حيز التطبيق عام 1994، وذلك بعد دفاعهم بشراسة عن الشخص المعنوي.

2- النظريات المفسرة للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي

كانت من بين الصعوبات التي واجهت القائلين بوجوب مساءلة الشخص المعنوي كيفية نسبة الجريمة للشخص المعنوي ماديا ومعنويا باعتبار أن الشخص المعنوي في العادة يضم أكثر من شخص طبيعي، كما أنها لا تمارس نشاطاتها بنفسها وبالتالي فالإشكال المطروح هو تحديد العلاقة بين الشخص المعنوي وممثليه من الأشخاص الطبيعيين الذين يمارسون الأعمال المنوطة به ومن هنا ظهرت محاولات جادة لبناء المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي على أساس قانوني فظهرت العديد من النظريات الفقهية المفسرة لمسؤولية الأشخاص المعنوية وسنقتصر على أهمها:

نظرية الإشتراك: أساس هذه النظرية أن الشخص الاعتباري شريك في الجريمة التي ارتكبت بواسطة أحد عماله ولمصلحته، وتعرضت هذه النظرية إلى نقد مفاده إنها تعامل المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري كصورة من صور المسؤولية عن فعل الغير، ولا يمكن تجاوزها إلى المسؤولية المباشرة.

نظرية النيابة القانونية[12]: أساس هذه النظرية أن الشخص الطبيعي الذي باشر الفعل المخالف للقانون يعتبر نائبا للشخص المعنوي فإذا وقعت الجريمة من الأول نسبت إلى الثاني وقد تعرضت للنقد فيما يلي:

المسؤولية الجنائية لا تعرف النيابة.

المماثلة الخاطئة بين الشخص الاعتباري والقاصر

نظرية الجهاز أو العضو[13] : هذه النظرية من نتاج الفقهاء الألمان وعلى رأسهم العلامة جيرك وإذا قورنت بنظرية الوكالة أو النيابة القانونية فإنه يمكن القول إنها تعد بحق أكثر دقة وتؤسس هذه النظرية على أساس مماثل لمسؤولية الشخص الطبيعي وبما أن الشخص الطبيعي يرتكب جرائم عن طريق أعضائه فذلك الشخص الاعتباري يرتكب جرائمه عن طريق أعضائه من المشرفين عليه فهو بمثابة الجسم القانوني للشخص المعنوي لذلك كل عمل أو نشاط يقوم به أي عضو يعتبر نشاط الشخص المعنوي نفسه .

الفقرة الثانية: موقف التشريع الفرنسي والمغربي من هذه المسؤولية

  1. موقف التشريع الفرنسي

لم يكن يعترف المشرع الفرنسي بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي في إطار القانون الجنائي القديم لسنة 1810، بحيث لم تكن المسؤولية تتحدى نطاق تلك المدنية.[14]

غير أنه بصدور قانون العقوبات الفرنسي سنة 1992 والذي دخل حيز التنفيذ سنة 1994، نجد أنه أقر هذه المسؤولية في إطار الفصل 2-121، حيث أقر المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي[15] عن الجرائم المرتكبة لحسابه بواسطة أعضائه أو ممثليه[16] ، وقد حدد هذا القانون الأشخاص المعنوية المعنية بهذه المسائلة في كل من الأشخاص المعنوية الخاصة وأيضا العامة فيما يتعلق بالأنشطة التي يمكن تفويضها للخواص عن طريق التعاقد. وقد أكد بصريح العبارة أن الدولة معفاة من هذه المسؤولية، هذا الإعفاء الذي يقتضيه المنطق السليم على اعتبار أن الدولة هي صاحبة الحق في العقاب وليس من الصواب أن تعاقب الدولة نفسها.

ومن جهة أخرى نجد التشريع الجنائي الفرنسي كان قد اعتمد مبدأ التخصيص حيث حدد الجرائم التي يمكن أن ترتكب من قبل الأشخاص المعنوية  مثل الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، إنجاز تجارب طبية غير مشروعة… غير أنه تراجع عن هذا المبدأ.

و جاء قانون العقوبات الفرنسي بجزاءات تتناسب مع طبيعة هذا الشخص مثل الغرامة في مادة الجنايات والجنح (المادة 131-38) والتي حدد مبلغها في ضعف الغرامة المفروضة على الأشخاص الطبيعيين خمس مرات، المصادرة، نشر الحكم بالإدانة…وفي سياق آخر نجد أن المشرع الفرنسي في إطار المادة 2-121 قد أكد أن المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي لا تحول دون مسؤولية الأشخاص الذاتيين مرتكبي الجريمة أو المشاركين فيها.

وإذا ما انتقلنا إلى موقف القضاء الفرنسي يتبين لنا من خلال استقراء جملة من القرارات[17] أنه يأخذ بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي ويدينه، كما أنه لا يستبعد مسائلة الشخص الطبيعي أيضا في حالة صدور خطأ عنه.[18] وذلك على عكس الفترة السابقة لصدور القانون الجنائي لسنة 1992 حيث لم يكن يقر بوجود هذه المسؤولية[19]، ولذلك فقد جاءت القرارات القضائية متوافقة مع هذا الموقف التشريعي.

ومن كل ما سبق ذكره، يتبين أن مسائلة الشخص المعنوي جنائيا أضحت ضرورية بحيث يفرضها واقع التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي صاحبه تزايد عدد هذه الأشخاص واتساع مجال تدخلها ، الشيء الذي يستدعي منا الوقوف على شروط قيام هذه المسؤولية الموجبة لتطبيق الجزاءات المقررة قانونا.

  1. موقف التشريع المغربي

إن السؤال الواجب الطرح في هذا الصدد هو: هل أخذ المشرع المغربي بمبدأ المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي أم لم يأخذ به؟ وهل يقبل هذه الفكرة أم يرفضها؟

أول ما يجب التأكيد عليه هو صعوبة الجواب على هاته الأسئلة، ذلك أنه إذا تمعنا النصوص القانوني ذات الصلة سنخلص إلى نتيجة واحدة وهي غياب الصراحة التشريعية في هذا المجال. حيث جاء في الفصل الأول من ا لمجموعة الجنائية أن القانون الجنائي يحدد أفعال الإنسان التي يعدها جرائم بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي، ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية. فمن تعنيه أحكام هذا الفصل إذن هو الإنسان ذلك على اعتبار أن المشرع لم يستعمل كلمة “شخص” والقابلة الانطباق على الشخص الذاتي والشخص المعنوي.

كما أن الفصل 132ج يتضمن توجها بيولوجيا وفيزيولوجيا مماثلا حيث نص أنه: كل شخص سليم العقل قادر على التمييز يكون مسئولا شخصيا عن الجرائم التي يرتكبها. وعلى صعيد آخر نجد أن الفصل 126 ج يقرر قاعدة عامة مفادها أن العقوبات والتدابير الوقائية تطبق على الأشخاص الذاتيين.[20]

غير أنه إذا ما انتقلنا إلى المادة 127 ج ، نجد أن الأمر يتعلق بقاعدة قانونية مختلفة عن كل ما سبق ذكره حيث جاء بهذه المادة: لا يمكن أن يحكم على الأشخاص المعنوية إلا بالعقوبات المالية والعقوبات الإضافية الواردة في الأرقام 5،6،7 من الفصل 36. ويجوز أيضا أن يحكم عليها بالتدابير الوقائية العينية الواردة في الفصل 62.

وإذا كان هذا النص يوحي أن المشرع المغربي يقبل المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، فإن موقفه في بعض فصول القانون الجنائي وبعض القوانين الخاصة قد توحي بالعكس، كما يستفاد من الفصل 559 و 562 ج وأيضا الفصل 10 من قانون الزجر عن الغش في البضائع الذي ورد فيه أنه إذا كان المخالف شخصا معنويا ألقيت المسؤولية على مسيريه.

والفصل 67 من قانون الصحافة الذي تطرق للأشخاص المسؤولين عن الجرائم المرتكبة عن طريق الصحافة وعددهم دون أن يذكر من بينهم الشخص المعنوي.

وإذا ما افترضنا انطلاقا من المادة 127ج أن المشرع المغربي يقر هذه المسؤولية (على اعتبار أنه لا عقوبة بدون مسؤولية وان المشرع قد تطرق لهذه المسؤولية في نصوص خاصة، كما سنرى ذلك عندما سنتطرق للمطلب الثاني من البحث الثاني المتعلق بالجزاءات المطبقة على الشخص المعنوي) فإنه لم يحدد الأشخاص المعنوية القابلة للمسائلة الجنائية كما لم يحدد الجرائم المعنية بهذه المسائلة، ولا حتى شروطها، وأمام هذا الغموض الذي شاب موقف المشرع المغربي ، نجد أن الأمر قد أثار جدلا بين أوساط الفقه المغربي الذي انقسم بدوره بصدد معالجته لهذه الإشكالية إلى اتجاهين: حيث يذهب الاتجاه الأول إلى القول أن المشرع المغربي وضع قاعدة عامة مفادها أن المسؤولية الجنائية خاصة بالشخص الطبيعي انطلاقا من الفصل 132ج. والفصل 127 ج يشكل استثناء من القاعدة العامة. وقد برر هذا الاتجاه موقفه بما جاء أيضا في الفصل 126ج الذي يقصر تطبيق العقوبات والتدابير الوقائية على الأشخاص الذاتيين.

أما الاتجاه الثاني فيذهب إلى القول أن المشرع المغربي وضع قاعدة عامة لمسائلة الشخص المعنوي جنائيا، ولم يضع قواعد هذه المسؤولية ولا شروطها . كما لم يحدد أنواع الأشخاص المعنوية التي يمكن مسائلتها جنائيا.[21]

غير أنه بالرغم من ذلك فإن المشرع المغربي قد اتجه توجها محمودا عندما سار في نفس اتجاه المشرع الفرنسي، حيث أقر المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية العامة عن أعمال الإنتاج و التوزيع و الخدمات التي يقومون بها بصفتهم فاعلين اقتصاديين ، و ذلك في إطار المادة الأولى من قانون حرية الأسعار و المنافسة[22].

أما القضاء المغربي ممثلا في محكمة النقض فقد استقر قبل صدور القانون الجنائي الحالي على رفع المسؤولية الجنائية عن الشخص المعنوي وأكد أنه لا يمكن تقرير المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية إلا بناء على نص صريح في القانون، وهذا ما يؤكده قرار المجلس الأعلى سابقا عدد 659 الصادر بتاريخ 2 يونيو 1960.[23] وبعد صدور القانون الجنائي الحالي نجد أن القضاء المغربي يذهب إلى إقرار المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية دون استبعاد لإمكانية مسائلة مديري ومسيري هذه الأشخاص، وهو ما نستشفه من جملة القرارات الآتية:

-القرار الصادر في القضية الجنحية عدد 13-19311/6/3/2000 بتاريخ 16/5/2001[24] و الذي رفض فيه طلب النقض الذي تقدمت به شركة البنك المدانة جنحيا بالنصب و استغلا التوقيع على بياض بعقوبة 5000 درهم غرامة . و تتلخص الوقائع في التأكيد الخادع للطاعنة ( البنك ) بأنها سترفع من سقف الدين لصالح المدين و أخذها مقابل ذلك عدة سندات و اعترافا بالدين لصالح المدين و أخذها مقابل ذلك عدة سندات و اعترافا بالدين ورهونا عقارية لضمان نفس الدين و استحصلت على حكم بأداء قيمتها جميعا مع أنها مجرد ضمانات متعددة لأداء نفس المبلغ من الدين و دون أن ترفع من سقف الدين موضوع الضمانات المذكورة.

-القرار الصادر في الملف الجنحي عدد 1854/2001 بتاريخ 9/5/2001[25] ، و الذي قضى بالنقض  و الإحالة لنقص التعليل في إثبات الخطأ الشخصي في ارتكاب الجريمة بالنسبة لرئيس المجلس البلدي في وقائع تبين منها أن عمال المجلس البلدي هم الذين هدموا حفر قنوات الماء الحار الذي حفرها المشترك لما أحدثته من ضرر للسكان ببقائها مفتوحة مدة طويلة ، و أن الهدم كان بأمر من المجلس البلدي.

-القرار عدد 7/2263 بتاريخ 1/10/98[26] ، و الذي يذكر أنه لا يوجد في القانون ما يعفي مدير الشركة باعتباره ممثلا للشخص المعنوي من المسؤولية الجنائية منى ثبت أن الأفعال التي ارتكبها و لو باسم الشركة التي يمثلها أو بتفويض منها تندرج ضمن الأفعال المجرمة قانونا

-القرار عدد 2182/3 الصادر في القضية الجنحية عدد 27829/6/3/1999[27] ، و الذي ينص على أن مسيري و مديري الأشخاص المعنوية مسؤولون جنائيا عن الأفعال غير المشروعة التي يرتكبونها أثناء قيامهم بعملهم . لذلك فإن متابعتهم و إدانتهم بهذه الصفة ليس فيه أي خرق لمقتضيات الفصل 8 من قانون المسطرة الجنائية.

الفقرة الأولى : الأشخاص المعنوية المسؤولة جنائيا

لقد ظهرت فكرة الشخصية المعنوية في مجال القانون الخاص لكنها سرعان ما انتقلت إلى مجال القانون العام باعتبار أن هذا الأخير لا يعرف الأشخاص الطبيعيين إلا بصفتهم ممثلين للشخص المعنوي.

و تطلق الشخصية المعنوية في القانون علي كل  مجموعة من الأشخاص أو الأموال التي تهدف إلى تحقيق غرض معين ومشترك ، ويمنح القانون لها الشخصية القانونية المستقلة بالقدر اللازم لتحقيق هذا الغرض. ويسمّيها البعض بالأشخاص الإعتبارية لأنّه ليس لها كيان مادي ملموس، وإنّما تقوم في الذهن ونتصور وجودها معنويا فقط . و لذالك ينقسم الشخص المعنوي إلى شخص معنوي خاص يخضع لحكام القانون الخاص كالشركات والجمعيات، وإلى شخص معنوي عام يخضع للقانون العام كالدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية[28] .

أولا : الأشخاص المعنوية العامة

تخضع لأحكام القانون العام، وتهدف إلى تحقيق الصالح العام، وتتميز هذه الفئة بحيازة امتيازات الولاية العامة، وخضوعها للوصاية الناتجة عن استقلالها. وتنقسم عموما إلى نوعين

1 الأشخاص المعنوية الإقليمية

تعرف الأشخاص المعنوية الإقليمية بإنها تلك الأشخاص التي يتحدد إختصاصها بنطاق جغرافي معين. قد يمتد هذا الإختصاص إلى مجموع تراب إقليم معين –  الدولة- ، أو أن هذا الإختصاص ينحصر على جزء من تراب هذا الإقليم كالجهات إو الجماعات…إلخ[29].و الدولة تعتبر أهم الأشخاص المعنوية العامة . و تتجلى شخصيتها القانونية في كافة التصرفات التي تقوم بها عن طريق أجهزاتها المختلفة (تنفيذية , تشريعية , قضائية ). و ترمي الدولة إلى تحقيق الأهداف العامة للشعب . وتتسم أعمالها بطابع السلطة العامة.

وقد جاء الفصل 6 من الدستور على أن “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة و الجميع أشخاص ذاتيين أو إعتباريين . بما فيهم السلطات العمومية متسوون أمامه و ملزمون بالإمتثال له …” .

هذا المستجد الدستوري يتيح لنا إمكانية الحديث عن مسؤولية الدولة , وإذا كانت المسؤولية المدنية للدولة مقررة قانونا . و ذالك من خلال مقتضيات الفصول 79 و 80 من قانون الإلتزامات و العقود[30]. فإن مسؤولية الدولة جنائيا تطرح لنا العديد من الإشكاليات.

التشريع المقارن أجمع على حصانة الدولة جنائيا كما هو الشأن بالنسبة للقانون الفرنسي من خلال المادة 121-2[31] التي إستثنت الدولة من المسؤولية الجنائية نفس الإتجاه أخد به أيضا قانون العقوبات العراقي في المادة 80 ، و قانون العقوبات الإتحادي لدولة الإمارات في المادة 65 ، و أيضا قانون العقوبات السوري في المادة 158

اما بالنسبة لموقف المشرع المغربي من المسؤولية الجنائية فإنه و بالعودة إلى الفصل 127 من مجموعة القانون نجد المشرع نص على مفهوم الشخص المعنوي بشكل عام دون تحديد و تدقيق أو تمييز بين الأشخاص المعنوية العامة أو الخاصة . هذا الغموض يحاول المشرع تداركه و ذالك من خلال مسودة مشروع القانون الجنائي في المادة 1ـــــ 132 و التي تنص على أن الأشخاص الإعتبارية ما عدا الدولة مسؤول جنائيا عن الجرائم التي يرتكبها لفائدته ممثله أو أجهزته التي تعمل لحسابه و بإسمه  مع استثناء على الجماعات المحلية التي تسأل جنائيا في الجرائم المرتكبة أثناء مزاولة أنشطة من شأنها أن تكون موضوع إتفاقية للتدبير المفوض للمرفق العمومي .

2 الأشخاص المعنوية المرفقية

و هي التي تتمثل في المؤسسات العمومية ، التي يتحدد نوعها على أساس تحديد نشاطها

و الأشخاص المعنوية المرفقية أنواع

المؤسسات العامة الإدارية، مثل الجامعات ومعاهد البحث.

المؤسسات العامة الاقتصادية، مثل المكتب الشريف للفوسفاط ومكتب التنمية الصناعية …

المؤسسات العامة الاجتماعية مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي…

المؤسسات العامة مثل غرف التجارة والصناعة والحكومات وغرف الصناعة التقليدية والغرف

الفلاحية للصيد البحري.

تعد كل المؤسسات المشار إليها أعلاه من الأشخاص المعنوية العامة التي تتدخل الدولة عن طريقتها في المجالات الاقتصادية  و الإجتماعية .

و كما أشارنا سابقا فالمشرع المغربي لم يقم بتمييز الأشخاص المعنوية  بل تحدث عنها بشكا عام . و بإعتبار أن هذه الأشخاص المعنوية العامة هي التي تمكن الدولة من التدخل في المجالات الاقتصادية والاجتماعية فإن إمكانية مسائلتها جنائيا تظل مستبعدة نظرا للطابع السيادي للدولة مع إمكانية مسائلتها مدنيا.

ثانيا : الأشخاص المعنوية الخاصة

يتكون الشخص المعنوي الخاص من مجموعة أموال أو مجموعة أشخاص تنشأ لتحقيق مصلحة معينة  قد تكون هذه المصلحة عامة و قد تكون خاصة حسب هذه المجموعة إظافة إلى أن الشخص المعنوي الخاص تكون له ذمة مالية مستقلة و تختلف عن أموال الأعضاء المكونين له .

وهكذا، عرف المشرع المغربي الشركات في الفصل 982 من قانون  الالتزامات والعقود، بأنها ” … عقد بمقتضاه يضع شخصان أو أكثر أموالهم أو عملهم أو هما معا، لتكون مشتركة بينهم بقصد تقسيم الربح الذي قد ينشأ عنها”.

وجاء في الفصل الأول من قانون تأسيس الجمعيات[32] بكونها اتفاق لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص لاستخدام معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير تحقيق الأرباح فيما بينهم، بالإضافة إلى أشخاص معنوية خاصة أخرى مثل: المجموعات ذات النفع الاقتصادي، والأحزاب السياسية والجمعيات المهنية.

فلتبرير إخضاع جميع الأشخاص المعنوية الخاصة للمسؤولية الجنائية ذهب جانب من الفقه إلى إن هذه القاعدة تعتبر نتيجة منطقية لمبدأ المساواة لإزالة الفوارق بين الأشخاص المعنوية الخاصة  والأشخاص الطبيعيين في ما يتعلق بضرورة احترام القانون،بالاظافة الى ذالك فإن جميع الأشخاص المعنوية الخاصة تخضع للقانون الجنائي الوطني سواء كانت أجنبية أو مغربية تطبيقا لمبدأ إقليمية القوانين ما دامت تتواجد داخل التراب الوطني، بل أكثر من ذلك يمكن مساءلة الأشخاص المعنوية الخاصة الأجنبية التي ترتكب إحدى الجرائم الماسة بأمن الدولة وسلامتها جنائيا أمام القضاء المغربي ولو ارتكبت هذه الجرائم خارج التراب الوطني،[33] تفعيلا لمبدأ العينية.

ولا بد من الإشارة إلى نقطة مهمة في هذا الصدد، حيث أن الأفعال الإجرامية في نطاق أعمال شخص معنوي في مرحلة الإنشاء لحسابه لا تنسب إليه إذا لم يكتسب الشخصية المعنوية بعد، ففي التشريع المغربي لا تكتسب الشركة التجارية الشخصية المعنوية إلا بالتسجيل في السجل التجاري والتالي فكل الأعمال التي تقوم بها الشركة حتى ولو كانت إجرامية لا تسال عنها عندما تكون قد ارتكبت في فترة ما قبل اكتساب الشخصية المعنوية وإنما يسال عنها فقط المؤسسون الذين ارتكبوها أي الأشخاص الطبيعيون، ما عدا في الحالة التي تكون فيها الجريمة مستمرة وقائمة إلى ما بعد اكتساب الشخصية المعنوية فهنا تسال المؤسسة عن الجريمة المرتكبة بصفتها شخصا معنويا.

كما يرى بعض الفقه إمكانية معاقبة الشركة خلال فترة التصفية عن الجرائم المرتكبة لحسابها على أن الشركة في هذه الحالة تظل رغم حلها متمتعة بالشخصية المعنوية في الحدود التي تتطلبها عملية التصفية.

الفقرة الثانية: الجرائم التي قد يرتكبها الشخص المعنوي

سنتطرق إلى الجرائم المنصوص عليها في مجموعة القانون الجنائي (أوﻻ) . ثم إلى الجرائم الأخرى الواردة في نصوص خاصة (ثانيا)

أوﻻ:الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي :

– الجريمة الإرهابية التي تهدد كيان ووجود المجتمع وأمنه واستقراره التي تمت اضافتها بمقتضى القانون 03.03 كما وقع تتميمهوقد عرفها المشرع في الفصلين 218-1 و 218-3 واوجب لها الجزاء المقرر في الفصول 218-1-1 ;218-2 ; 218-4 ;218-5 ; 218-7 و 218-8  .

– جريمة غسل الأموال التي تشكل خطرا على النسيج اﻻقتصادي الوطني، المنصوص عليها في الفرع السادس مكرر من القانون الجنائي الذي تمم بموجب القانون : 43.05 المتعلق بمكافحة غسل اﻻموال.وقد عدد المشرع الأعمال المكونة لها في الفصلين 574-1 و574-2 اللذين تم تغييرهما وتتميمهما بمقتضى القانون :13.10، وأورد لها العقوبات في الفصول 574-3، 574-4 و 574-5 التي تم تغييرها وتتميمها أيضاً بمقتضى القانون المذكور.

– جريمة إهانة علم المملكة ورموزها  الواردة في الفرع الأول مكرر الذي تمت إضافته بمقتضى المادة الفريدة من القانون :17.05 والمنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصول  من267-1 إلى 267-4.

– العنف المرتكب أثناء المباريات أو التظاهرات الرياضية او بمناسبتها  المنصوص عليها وعلى عقوباتها في الفصول من 308-1 إلى 308-19 من القانون : 09.09 المتمم للقانون الجنائي وخصوصا الفصلين 308- 13 و308-17.

– جريمة التمييز التي تمس النسيج و الترابط الاجتماعي و تضر بالتنوع الحضاري الوطني ;وقد تمت اضافة هده الجريمة الى القانون الجنائي بمقتضى المادة السادسة من القانون 24.03 ;وتم تعريفها في الفصل 431-1 و التنصيص على الجزاء المقرر لها في الفصل 431-3 .

–  جريمة افساد الشباب و البغاء المنصوص عليها في الفصول 497 الى 503 التي وقع تتميمها و تغييرها بمقتضى القانون 24.03 ورتب لها المشرع الجزاء في الفصل 501-1 الدي تمت اضافته بمقتضى القانون المذكور .

ثانيا: الجرائم المنصوص عليها بمقتضى نصوص خاصة :

–  الجرائم البيئية ترجع أسباب التلوث البيئي إلى التصرفات واﻷنشطة البشرية خصوصا التجارية منها والصناعية والفلاحية والمواصلات، فاختلال التوازن البيئي والأيكولوجي ضرورة حتمية للاعتداءات السافرة على البيئة اﻻمر الذي استوجب سن أحكام وتشريعات توفر الحماية القانونية للمجاﻻت البيئية عن طريق زجر ومعاقبة المخالفين البيئيين أو “المنحرفين الايكولوجيين ” حسب تعبير الباحث الجامعي باتريك ميستريتا Patrick mistretta .**

فبعد التنصيص على دستورية الحق في العيش في بيئة نظيفة وسليمة والحق في تنمية مستدامة في الفصل 31 من دستور فاتح يوليوز 2011 وبعد وضع الإطار القانوني العام المؤطر من خلال :

-القانون : 99.12 بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة.

-القانون   :11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة.

-القانون :  12.03 المتعلق بدراسات التأثير على البيئة.

قام المشرع المغربي بسن-  ما يمكن ان يصطلح عليه مدونة البيئة – من خلال مجموعة من النصوص القانونية  التي تحمي البيئة بمختلف مكوناتها (اﻻنسان،الهواء،الماء،التربة ،النبات،الحيوان)من التدمير ورتب العقوبات الزجرية في حق المخالفين لمقتضياتها بمن فيهم  الشخص المعنوي.

القانون :  22.07 المتعلق بالمناطق المحمية.

القانون : 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها.

القانون :  13.03 المتعلق بمكافحة تلوث الهواء.

القانون:10.95 المتعلق بالماء.

القانون :  81.12  المتعلق بالساحل.

القانون :142.12 المتعلق بالأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي.

القانون :  27.13  المتعلق بالمقالع.

القانون 33.13 المتعلق بالمناجم.

ظهير 29 اكتوبر 1917 المتعلق بالغابة واستغلالها.

– الجرائم التي تمس المستهلك وتشكل خطرا على حياته وسلامته الصحية وحياته الخاصة وقد تم التنصيص عليها في القوانين

القانون :  37.08  المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية.

القانون :  09.08  المتعلق بحماية اﻷشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات الشخصية.

القانون :  31.08 المتعلق بحماية المستهلك.

القانون   :104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.

القانون:    52.05المتعلق بمدونة السير على الطرقات في المواد 259 ,260 ;  304 ; 295 ; 283.

– الجرائم التي تمس حقوق المؤلف والحقوق المجاورة وتشكل خطرا على الإبداع والفن والتنوع الثقافي التي نص عليها المشرع في القانون : 2.00.

جرائم الغش والتهريب والتملص الضريبي: المنصوص عليها في المواد 187، 192و 199 من المدونة العامة للضرائب المحدثة بموجب المادة الخامسة من قانون المالية 43.06 لسنة 2007 .

وكذا المخالفات الجمركية المنصوص عليها في الظهير الشريف 1.77.399 بمثابة مدونة الجمارك الذي تم تتميمه وتغييره بمقتضى القانون 99.02 وقد رتب لها المشرع العقوبات المالية وعند اﻻقتضاء التدابير اﻻحتياطية في الفصول 220، 221 و 227.

– الجرائم الواردة بالقانون 104.12 المتعلق بمؤسسات اﻻئتمان والهيئات المعتبرة في حكمها وقد خصص لها المشرع العقوبات الزجرية في الباب الثاني من القانون المذكور.

– جرائم التزييف واﻻنتحال والنسخ والتدليس والمساس بحقوق مالك براءة اﻻختراع الواردة بالقانون 17.97 المتعلق بحماية الملكية الصناعية الذي وقع تتميمه بمقتضى القانون 23.13 وأفرد لها المشرع العقوبات في القسم الثاني: المواد من 213 إلى 217 ومن 225 إلى 233.

-القانون 02.03 المتعلق بدخول و إقامة اﻷجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير المشروعة والذي أقر بمسؤولية الشخص المعنوي في المادة 54 الواردة بالقسم الثاني .

المبحث الثاني: قواعد تنظيم المسؤولية الجنائية

نتطرق من خلال هذا المبحث لشروط قيام المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي (المطلب الأول) ثم للعقوبات المقررة للشخص المعنوي (المطلب الثاني).

المطلب الأول: شروط قيام المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي.

يعتبر الفقه الجنائي  المغربي أن الفصل 127 من مجموعة القانون الجنائي هو الأساس القانوني للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، كما وصف أنه المنطلق للحديث عن المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، وأن الأصل هو هو إقرار مساءلة الأشخاص المعنوية جنائيا كمبدأ عام ما لم يرد على ذلك بنص.[34]

ويبقى هذا الرأي محل نظر على اعتبار الفصل 127 من القانون الجنائي هو نص معاقِب ليس نصا مجرّماِ وليس نصا واضعا لأسس وقواعد عامة للمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، بل حدد العقوبات التي يمكن تطبيقها على الأشخاص المعنوية وعلى اعتبار أنه لا مجال  للحديث عن عقوبات دون مساءلة جنائية، وورود هذا الفصل كاستثناء عقابي بالنظر إلى سياق الفصول السابقة له بالقانون الجنائي، يجعل الفصل المذكور ينطوي على غموض ولبس وعدم الوضوح ولم يقرر صراحة بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي.

وما يؤكد عدم الوضوح التشريعي بخصوص مساءلة الشخص المعنوي، هو وجود قوانين خاصة لاحقة للقانون الجنائي تخلط بين الشخص الطبيعي والشخص المعنوي أثناء المساءلة الجنائية، كما هو الشأن للمادة 135 من القانون البنكي المؤرخ في14 فبراير 2006، حيث أتى في هذه المادة أنه: ” يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبغرامة من خمسة آلاف إلى مائة ألف درهم أم بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل شخص عمل لحسابه الخاص أو لحساب الشخص المعنوي”

ولا يمكن للشخص المعنوي أن يرتكب الجريمة بنفسه وإنما يتصرف عن طريق شخص طبيعي يعبر عن إرادته، ولقيامالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي سنقف عند شرطين أساسيين:

الشرط الأول: أن يكون مرتكب الفعل الذي يعد جريمة شخصا طبيعيا يعبر عن إرادة الشخص المعنوي.

يقتضي هذا الشرط معرفة الشخص الطبيعي الذي ارتكب الجريمة، وما إذا كان يملك التصرف باسم الشخص المعنوي وفقا للنظام الأساسي الذ يخضع له الشخص الإعتباري، وإن تحقق هذا الشرط فتعتبر تلك الأفعال بمثابة أفعال الشخص المعنوي التي يسأل عنها جنائيا، كما هو الشأن في القانون الإنكليزي، أما القانون الفرنسي فيعتبر أن قيام المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي لا يحول دون معاقبة الشخص الطبيعي عن ذات الجريمة.[35]

الشرط الثاني: أن يتم ارتكاب الفعل المحظور باسم ولحساب الشخص المعنوي.

ومفاد هذا الشرط أن قيام المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي يستوجب أن تكون الجريمة وقعت لحسابه، وذلك لتحقيق مصلحة له (تحقيق ربح، تجنب خسارة، تجنب إلحاق ضرر به،…) أيا كانت هذه المصلحة (مادية أو معنوية، مباشرة أو غير مباشرة، متحققة أو احتمالية).

كما يتبين أيضا من هذا الشرط أن الشخص المعنوي لا يمكن أن يسأل عن الجرائم التي يرتكبها أحد أجهزته، أو ممثليه لحسابه الشخصي بهدف تحقيق مصلحته الشخصية، أو بقصد الإضرار بالشخص المعنوي.

المبحث الثاني: الجزاءات المقررة للشخص المعنوي .

المطلب الأول: الجزاءات المقررة في القانون المقارن

اختلفت الاتجاهات الفقهية في القانون المقارن في إقرار مسؤولية الشخص المعنوي وتبعا لذلك اختلفت التشريعات، فالقانون الفرنسي اقر مسؤولية الشخص المعنوي صراحة من خلال المواد (121-1 و121-2) من قانون العقوبات الفرنسي لسنة 1994. وأيضا قانون الجزاء الأردني في المادة (74-2). وعلى العكس من ذلك هناك من التشريعات من أنكر المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي كالقانون الجنائي الألماني، والايطالي، والبلجيكي، والسويسري…

وعليه نجد اختلافا في الجزاءات المقررة على الشخص المعنوي ، فنجد كلا من المشرع اللبناني، والسوري، والإماراتي يقررون الغرامة والمصادرة والتدابير الاحترازية العينية .

مثال ذالك ما نصت عليه المادة 74 من قانون الجزاء الأردني ” لا يحكم على الأشخاص المعنوية إلا بالغرامة والمصادرة و إذا كان القانون ينص على عقوبة أصلية غير الغرامة استعيض بالغرامة عن العقوبة المذكورة “، فيما نصت المادة 209-2 من قانون العقوبات السوري على ما يلي” إن الهيئات الاعتبارية مسؤولة جزائيا عن أعمال مديريها وأعضاء إداراتها وممثلوها… ولكن لا يمكن الحكم عليها إلا بالغرامة والمصادرة ونشر الحكم ” وهذا ما نصت عليه بالحرف أيضا المادة 210 من قانون العقوبات اللبناني.

ونجد المشرع الفرنسي قد وسع من دائرة الجزاءات المقررة للشخص المعنوي من خلال ما يلي[36] :

_ الغرامة: حيث جعل الحد الأقصى لعقوبة الغرامة خمسة أضعاف الحد الأقصى للغرامة المطبقة على الشخص الطبيعي لنفس الجريمة المرتكبة[37].

_ الحل : وهي أقصى عقوبة تطبق على الشخص المعنوي فهي تؤدي إلى إنهاء حياته ومن هنا يقال بأنها بمثابة “الإعدام ” وتطبق هذه العقوبة عندما يكون الغرض من وجود الشخص المعنوي هو النشاط الإجرامي بالإضافة إلى نشاط أخر تم تأسيسه عليه، والسبب الآخر هو انحراف الشخص المعنوي عن غرضه الأساسي للقيام بنشاطات إجرامية (131-39).

_  حظر: ممارسة النشاط المهني أو الاجتماعي: ويكون هذا الحظر إما بصورة نهائية أو لمدة خمس سنوات كحد أقصى (المادة131-38).

_  غلق المؤسسة: ويكون إما بصورة نهائية أو بصورة مؤقتة لا تزيد عن خمسة سنوات(131-39-4).

_ وضع الشخص المعنوي تحت رقابة القضاء: وهو تدبير مؤقت يتم عن طريق تعيين نائب قضائي من قبل المحكمة تعهد إليه مهمة محددة، ويجب عليه أن يقدم إلى قاضي العقوبات كل ستة أشهر تقريرا عن سير مهمته(131-46).

_ إبعاد الشخص المعنوي عن المشاركة في المشروعات العامة: ويكون ذالك إما نهائي أو مؤقت لمدة لا تزيد عن خمس سنوات (المادة 131-34).

_ حظر الدعوة العامة للاستثمار: وذالك حفاظا على أموال المستثمرين من شركات ثبت عدم صدقها (131-47).

_ حظر إصدار الشيكات: وهو إجراء مؤقت دائما لا يجوز أن تزيد مدته عن خمس سنوات(131-14-5).

_ المصادرة: وهي إجراء يهدف إلى تمليك الأشياء ذات الصلة بالجريمة المرتكبة  للسلطات العامة قهرا عن صاحبها وبغير مقابل(131-42-2).

_ نشر الحكم بالإدانة: بحيث تكون نفقة هذا النشر على المحكوم عليه وللمحكمة أن تأمر بنشر الحكم كله أو جزء منه أو أسبابه أو منطوقة(131-35).

المطلب الثاني: الجزاءات المقررة للشخص المعنوي في التشريع المغربي:

ينص الفصل 127 من القانون الجنائي المغربي ” لا يمكن أن يحكم على الأشخاص المعنوية إلا بالعقوبات المالية والعقوبات الإضافية الواردة في الأرقام 5و6و7 من الفصل 36 ثم التدابير الوقائية الواردة في الفصل 62 “. وباستقراء هذين الفصلين يتبين أن الجزاءات المقررة للشخص المعنوي هي جزاءات أصلية تمس الذمة المالية للشخص المعنوي(أولا)، وجزاءات إضافية تمس سمعة ووجود الشخص المعنوي(ثانيا).

أولا: الجزاءات التي تمس الذمة المالية للشخص المعنوي.

تعد الغرامة والمصادرة من أهم هذه العقوبات المالية التي تطبق على الأشخاص المعنوية[38].

أ_ الغرامة المالية : عرفها المشرع المغربي بأنها إلزام المحكوم عليه بأن يؤدي للخزينة العامة مبلغا من النقود بالعملة المتداولة في المملكة ، وقد راعى المشرع المغربي في إصدار هذه الغرامة الحدين الأقصى والأدنى بحيث لا يمكن توحيدها في جريمة معينة بين جميع الأشخاص المعنوية ، لتفاوت القدرات المالية لكل شخص معنوي وهذا ما نص عليه في عدة نصوص قانونية[39].

ب_ المصادرة: عرفها المشرع المغربي في الفصل 42 من القانون الجنائي بأنها ” هي تمليك الدولة جزءا من أملاك المحكوم عليه أو بعض أملاك له معينة” والمصادرة لا توجه للشخص المعنوي في حد ذاته وإنما ترد على الشيء محل الجريمة سواء كان منقولا أو عقارا وتشمل صورتين المصادرة الجزئية للأملاك العائدة للمحكوم عليه، والمصادرة العينية للأدوات التي استعملت في ارتكاب الجريمة .

والمصادرة لا تتم إلا إذا ارتكزت على أساس قانوني سليم وهذا ما يتجلى من خلال قرار المجلس الأعلى (محكمة النقض) عدد 1052/7/المؤرخ في 4/4 2005، حيث اعتبر السيارة التي ضبطت بها المخدرات هي عبارة عن سيارة أجرة مخصصة للنقل العمومي، وأن المتهم كان وقت إلقاء القبض عليه مجرد راكب على متن هذه السيارة التي تعود لشخص أجنبي، ولم يثبت أي تواطؤ بين سائقها والمتهم يجعل الحكم بإرجاع السيارة إلى مالكها وعدم مصادرتها صحيحا.

ثانيا : الجزاءات التي تمس وجود وسمعة الشخص المعنوي

أ_ حل الشخص المعنوي : عرفه المشرع المغربي في الفصل 47 من القانون الجنائي بأنه ” هو منعه من مواصلة النشاط الاجتماعي ولو تحت اسم آخر وبإشراف مديرين أو مسيرين أو متصرفين آخرين ، ويترتب عنه تصفية أملاك الشخص المعنوي ولا يحكم به إلا في الأحوال المنصوص عليها في القانون وبنص صريح في الحكم  بالإدانة”.

ب_ نشر الحكم الصادر بالإدانة : بحيث نص على هذه العقوبة في الفصل 48 من القانون الجنائي الذي جاء فيه ” للمحكمة في الأحوال التي يحددها القانون إن تأمر بنشر الحكم الصادر بالإدانة كلا أو بعضا في صحيفة أو عدة صحف تعينها أو بتعليقه في أماكن تبينها، والكل على نفقة المحكوم عليه غير أنه لا يجب أن تتعدى صوائر النشر ما قدرته المحكمة لذالك وأن لا تتجاوز مدة التعليق شهر واحد”.

إضافة لهاته الجزاءات المقررة للشخص المعنوي، نجد بعض التدابير الوقائية التي قررها المشرع كالمصادرة وإغلاق المحل أو المؤسسة وذالك في الفصل 62 من القانون الجنائي،  لكن نجد الفصل 61 من نفس القانون ينص على تدبير آخر يلائم طبيعة الشخص المعنوي وهو المنع من مزاولة النشاط.

الخــــــــــــــــــــــــــــاتمة

لقد تبين من خلال دراسة الموضوع ” المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي“، أن هذه المسؤولية أخدت بعدا واقعيا يفرض نفسه بقوة، حيث أصبحت تمثل حقيقة تشريعية في عدد من الدلو وبشكل صريح يعكس تطور مواقف التشريعات تجاه هذه الأشخاص لمواجهة ما يترتب عنها من خطورة بشكل مباشر.

وربما هذا ما دفع بالمشرع المغربي إلى التراجع عن تحفظه و ارتباكه في صياغة الفصل 127 وإقراره صراحة مساءلة الشخص المعنوي جنائيا في إطار مسودة القانون الجنائي في الفصل 1-132.

[1]  شريف سيد كامل – المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية – الطبعة الأولى ص 8-9

[2] المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي – دراسة مقارنة – ص 3

[3]  نور الدين العمراني – شرح القسم العام من القانون الجنائي – الطبعة الخامسة- 2014 ص 113

[4] –  حسن أبو هوش، المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي، رسالة لنيل دبلوم الماستر ي القانون الخاص، كلية العلوم  القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، السنة الجامعية 2012، ص 19.

[5] –  أبو هوش، مرجع سابق، ص 9.

[6] –  محمد بنجلون : شرح القانون الجنائي العام وتطبيقاته، دار النشر الجسور، وجدة 2000، ص 169.

[7] –  شريف سيد كامل، المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوي في القانون الليبي والأجنبي-دراسة تفصيلية مقارنة- الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، ص 149.

[8] –  محمود سلمان موسى – المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي في القانونيين الليبي و الأجنبي – دراسة تفصيلية مقارنة- الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، ص 149.

[9] -إبراهيم علي صالح، المسؤولية الجنائية الأشخاص المعنوية، دار المعارف، طبعة بدون تاريخ، ص 109.

[10] -إبراهيم علي صالح، مرجع سابق، طبعة بدون تاريخ، ص 111.

[11] -إبراهيم علي صالح، مرجع سابق، ص 115.

[12] -إبراهيم علي صالح، مرجع سابق، ص 238.

[13] -إبراهيم علي صالح، مرجع سابق، ص 239.

[14] – Mireille Delmas.Marty : Droit générale : Responsable procédure , sanctions. 1er édition 1973. P :108-109

-André de cocq : droit pénal général. Librairie Armant colin. Paris 1971. P 257-258-259

[15]  ونشير هنا إلى كون المشرع الفرنسي قد أخذ بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي لعدة اعتبارات نذكر منها  ما يفرضه انتماء فرنسا للاتحاد الأوروبي من واجب ملائمة قوانينها مع ما هو سائد في التشريعات الأوروبية.

[16]  Dominique Allix. Le droit pénal . p 71

[17] – القرار المؤرخ في 25/10/2000 المنشور تحت رقم 308 و الذي جاه به : يؤخذ من الفصلين 121-2-3 و 222-19 سواء قبل قانون 10./7/2000 أ و بعده أن الأشخاص المعنوية تسأل جنائيا عن الأخطاء غير المقصودة من ممثليها التي نتج عنها جروح غير عمدية مع غياب الخطأ المقصود أو المحدد بمقتضى الفصل 121-3 ضد الشخص الذاتي.

و قد ذهب في نفس اتجاه القرار السابق  ، القرار المؤرخ في 12/9/2000 المنشور تحت رقم 268.

-القرار المؤرخ في 24/5/2000 المنشور تحت رقم 203 و الذي جاء به : حسب الفصل 121-2 فإن الأشخاص المعنوية لا تسأل جنائيا إلا إذا ارتكبت لفائدتها جريمة بواسطة ممثليها أو هيآتها. فتكون مسؤولية الشركة عن استعمال شهادة مزورة ثابثة بقيام ممثلها بطرد عامل اعتمادا على شهادة تتضمن وقائع غير صحيحة.

-القرار المؤرخ في 30/5/2000 المنشور تحت رقم 206 و الذي جاء به : 1 .أن أجير الشركة المتوفر على انتداب منها في ميدان الصحة و السلامة يعتبر ممثلا للشخص المعنوي حسب مفهوم الفصل 121-2 من القانون الجنائي ؛ فينتج عن أعماله مسؤولية الشركة الجنائية في حالة المساس بالسلامة الجسمية المرتبطة بعدم احترام قواعد السلامة الملزم بها حسب انتدابه.

2 . أن تبرئة الممثل القانوني للشخص المعنوي بوصفه الشخصي أمام القضاء الجنحي لا يحول – تبعا للفصل 706-43 من قانون المسطرة الجنائية – من تمثيله لذلك الشخص المعنوي في المتابعة المقامة ضد هذا الأخير من أجل نفس الأفعال.

و قد ذهب في نفس الاتجاه القرار المؤرخ في 1/12/98  منشور تحت رقم 325 و القرار المنشور بتاريخ 9/11/1999 تحت رقم 252 و القرار المنشور بتاريخ 14/12/99 تحت رقم 306.

ّقرارات واردة في مجلة القضاء والقانون عدد 145 ص 123-124-125

[18] – القرار المؤرخ في 7/7/98 المنشور تحت رقم 216 و الذي جاء به : لتقوم مسؤولية الأشخاص المعنوية من الضروري أن تنسب الجريمة لمسيرها سواء من ناحية العناصر التكوينية للجريمة أو على الخصوص من ناحية النية ، فالمدير العام للشركة المتابع بالتشغيل السري لا يمكن أن يجهل الطابع السري الذي تتسم به أعمال الشركة في تشغيلها للعمال ، و عليه فإن المدير العام الذي هو الشخص الذاتي الممثل للشركة قد ارتكب عن علم التشغيل السري للعمال.

و يقترب من القرار السالف الذكر ، القرار المؤرخ في 2/12/97 المنشور تحت رقم 408 ، و كذا القرار المؤرخ في 18/1/2000 المنشور تحت رقم 28.

-القرار المؤرخ في 18/4/2000 المنشور تحت رقم 153 و الذي جاء به : إن المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية لا تقوم إلا بالنسبة للجرائم المنصوص عليها صراحة فلا تقوم مسؤوليتها في التسريح الجماعي للعمال المنصوص عليها في الفصل 1362-1 إذ لم ينص فيه على مسؤولية الأشخاص المعنوية بصفة صريحة و إنما نص على مسؤولية كل شخص.

ّ قرارات واردة في مجلة القضاء والقانون العدد 145 ص 124-125-126

[19] -chambre criminelle le  8 Mars 1883 « que l(amende est une peine, que toute peine est personnelle sauf les exceptions spécialement prévus par la loi, qu’elle ne peut donc « être prononcée contre une société commerciale, être moral, laquelle ne peut encourir qu’une responsabilité civile ».

André Decocq. Droit pénal général. Librairie Armant colin Paris. 1971. P 257

[20] – يوسف وهابي. مقال منشور بمجلة القضاء والقانون عدد 150. مرجع سابق. ص 111-112

[21] – حسن أبوهوش. مرجع سابق

[22]  ظهير شريف رقم 1.00.255 صادر في 2 ربيع الأول 1421  ( 5 يونيو 2000 ) بتنفيذ قانون رقم 6.99 المتعلق بحرية الأسعار و المنافسة

[23] – نفس المرجع

[24] – مجلة القضاء والقانون العدد 145 – ص 128-129

[25]  مجلة القضاء والقانون العدد 145 – ص 128-129

[26] – مجلة القضاء والقانون العدد 145 – ص 128-129

[27] – مجلة القضاء والقانون العدد 145 – ص 128-129

[28] أحمد بودراع: محاضرات في التنظيم الإداري – المبادئ العامة والتجربة المغربية- السنة الجامعية 2009-2010، ص 36

[29] مليكة الصروخ ، القانون الاداري (دراسة مقارنة) ،الطبعة السابعة 2010 ، ص61

[30] ظهير شريف بتاريخ 9 رمضان 1331 بشأن قانون الالتزامات والعقود (12 اغسطس 1913

[31]  Article 121-2 “Les personnes morales, à l’exclusion de l’Etat, sont responsables pénalement, selon les distinctions des articles 121-4 à 121-7, des infractions commises, pour leur compte, par leurs organes ou représentants”……

[32]ظهير شريف رقم 1.58.376 صادر في 3 جمادى الاولى 1378 (15 نوفمبر 1658) بتنظيم حق تأسيس الجمعيات

[33] – الفصل 711 من مجموعة القانون الجنائي.

(34) عبد الواحد العلمي، المبادئ العامة للقانون الجنائي المغربي، الجزء الثاني، طبعة 1995، ص 24

[35] شريف سيد كامل، المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية

[36]   د. أنور محمد صدقي، المسؤولية الجزائية عن الجرائم الاقتصادية، ص 405، 406.

[37]   المادتان ( 131-37 و 131-39) من قانون العقوبات الفرنسي.

[38]  د. عبد الواحد العلمي، شرح القانون الجنائي المغربي، ص 306، 307.

[39]  منها المادة 21-4 من قانون 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب، والمادة 75 من قانون البورصة والفصل 431-3 من القانون الجنائي والمادة 227

 

www.labodroit.com

عن safae wazani

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.