حوار حول القانون رقم 62.17 المتعلق بالجماعات السلالية والأراضي الجماعية

حوار حول القانون رقم 62.17 المتعلق بالجماعات السلالية والأراضي الجماعية

في إطار انفتاحه على المواضيع القانونية الراهنة، ومحاولة منه لاستجلاء آراء المختصين والمطلعين على بعض النصوص القانونية ذات الارتباط بالمجالات الحيوية، يشرف موقع الجامعة القانونية المغربية الافتراضية aljami3a.com  أن يستضيف الدكتور محمد نعناني في حوار خاص حول القانون رقم62.17 المتعلق بالجماعات السلالية والأراضي الجماعية.

كما جرت العادة هل لكم أن تعرفوا القراء الكرام بمن هو الدكتور محمد نعناني؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

أما بعد،

معكم محمد نعناني دكتور في الحقوق، أستاذ باحث بالتعليم العالي بكلية العلوم القانونية والسياسية بسطات؛ ورئيس مصلحة وإطار سابق بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومنتدب سابقا للترافع نيابة عنها أمام محاكم المملكة بما فيها محكمة النقض؛ ومساهم في الساحة القانونية بمجموعة من المؤلفات والمقالات القانونية المحكمة.

السؤال الأول: في البداية هل لكم بأن تعرفوا قراء ومتتبعي موقع الجامعة القانونية المغربية الافتراضية على المقصود بالجماعة السلالية، وماذا نعني بالأراضي الجماعية؟

الجماعة السلالية مركب إضافي يتكون من كلمتين “جماعة” و “سلالية” ولكي نُعَرِّف هذا المركب بالدقة اللازمة الرافعة للجهالة لابد من تقديم تعريف لغوي لكل مفردة على حدة، لكي نستنتج من مجموعها التعريف الاصطلاحي.

فأما “الجماعة” فأصلها من “جَمَعَ الشيءَ عَنْ تَفْرِقة يَجْمَعُه جَمْعاً وجَمَّعَه وأَجْمَعَه فاجتَمع واجْدَمَعَ،… والجَمْع: اسْمٌ لِجَمَاعَةِ النَّاسِ. والجَمْعُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ جَمَعْتُ الشَّيْءَ. والجمْعُ: المجتمِعون، وجَمْعُه جُموع. والجَماعةُ والجَمِيع والمَجْمع والمَجْمَعةُ: كالجَمْع وَقَدِ اسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ فِي غَيْرِ النَّاسِ حَتَّى قَالُوا جَماعة الشَّجَرِ وَجَمَاعَةُ النَّبَاتِ…. والجُمّاعُ: أخلاط من الناس، وقيل: هم الضروب المتفرقون من الناس… قال ابن عباس: الشُّعوبُ الجُمّاعُ والقبائل الأفخاذ؛ الجماع، بالضم والتشديد: مجتمع أصل كل شيء، أراد منشأ النسب وأصل المولد، وقيل: أراد به الفرق المختلفة من الناس كالأوزاع والأوشاب.” (لسان العرب8/53)؛ و”الشعب أكبر من القبيلة ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ… يقال لكل ‌جماعة من واحد قبيلة، ويقال لكل ‌جمع من شيء واحد قبيل” (لسان العرب 11/541). فالجماعة والقبيلة بمعنى واحد وهي أصغر من الشعب وأكبر من العمارة والبطن والفخذ؛ وتدل على الالتحام والإتلاف والعيش المشترك وفق مصالح موحدة.

وأما “السلالية” فنسبةً إلى السلالة و”السلالة: الذي سُل من كل تربة. وقال أبو الهيثم: السلالة: ما سل من صلب الرجل وترائب المرأة كما يسل الشيء سلا. والسليل: الولد، سمي سليلا حين يخرج من بطن أمه… وقال الأخفش: السلالة: الولد. والنطفة: السلالة” (تهذيب اللغة 12/ 206)؛ قال الله تعالى ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢﴾ (المؤمنون: 12)؛ وقال سبحانه وتعالى ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧ ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨﴾ (السجدة: 7، 8). والسلالة في بعض معانيها أيضا “عقبة أو عصبة أو لحمة إذا كانت شبه طرائق ينفصل بعضها عن بعض” (العين 7/ 192).

         وعلى هذا الاعتبار وجمعا لمعاني الكلمتين فإن الجماعة السلالية هي عبارة عن مجموعة من الناس توحدهم قبيلة يرتبط أفرادها بعلاقة النسب المباشر أو الممتد إلى جد يدلون إليه، فتجمعهم لحمة النسب الجامع والعيش المشترك على أرض الأجداد؛ وبذلك يتحدد الانتساب إلى الجماعة بحسب كون الفرد متنسلا من سلالتها منتسبا إلى أرضها. وتبعا لذلك فإن أغلب الجماعات السلالية بالمغرب تنسب إلى أحد الأجداد مباشرة بتسميتها باسمه؛ أو بنسبة أفرادها إليه بعبارة “أولاد فلان” أو “بني فلان” أو “آيت فلان”. ومن الناحية القانونية فإن هذه الجماعات تتمتع بالشخصية المعنوية وتخضع للقانون الخاص بها تحت وصاية وزير الداخلية، ويقدر عددها بالمغرب حسب الإحصائيات الرسمية ب 4563 جماعة تتوزع على 55 عمالة وإقليم.

         وعلى من منوال تعريف “الجماعة السلالية”، فإن “الأراضي الجماعية” هي الأخرى مركب إضافي مكون من “أرض” و “جماعية”؛ فأما الأرض: فهي “التي عليها الناس… وهي الموضع والمكان” (لسان العرب 7/ 111). وأما “جماعية” فنسبة إلى الجماعة وقد سبق تعريفها؛ فيقصد تبعا لذلك بالأرض الجماعية الأرض التي تعيش عليها الجماعة وتتخذها موطنا لها وموضعا لنشاطها ومصدرا لثرواتها وعنصرا مهما في بقائها واستمرار تواجدها.

ويطلق على هذه الأراضي الجماعية أيضا اسم أراضي الجُموع أو الأراضي السلالية؛ وهي على هذا الاعتبار واستحضارا للتعريفات المشار إليها أعلاه “مجموعة من الأراضي المملوكة لقبيلة، جماعة، أو مجموعة من العشائر، غالبا ما تربطهم علاقة الدم والنسب، يستغلونها ويتصرفون فيها تحت ولاية الدولة، ممثلة بسلطة الوصاية وزارة الداخلية”.

السؤال الثاني: يعرف متتبعو موقعنا بأن الخريطة العقارية بالمغرب تعرف نوعا من التنوع إن على مستوى الطبيعة أو الإطار القانوني المنظم، في نظركم هل كانت الحاجة ملحة لإصدار قانون خاص بالجماعات السلالية وأراضي الجموع؟

لقد كانت هذه أراضي الجماعات السلالية منظمة بالظهير الشريف المؤرخ في 25 رجب 1337 (27 أبريل 1919) بتنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات وضبط تدبير شؤون الجماعية وتفويتها[1]؛ بالإضافة إلى مجموعة من الظهائر والقرارات والمراسيم الرامية إلى تدبير هذا النوع من الأملاك العقارية ويتعلق الأمر ب:

  • القرار الوزيري بتاريخ 14 ربيع الثاني 1339 (26/12/1920) في ضبط مراقبة استعمال أو استعواض الأموال المتحصلة من نزع ملكية الأراضي المشتركة بين الجماعات ومن أكريتها ومن تفويت التصرف فيها مؤبدا.
  • الظهير الشريف المؤرخ في 12 رجب 1342 (18 فبراير 1924) في تأسيس ضابط خصوصي يتعلق بتحديد الأراضي المشتركة بين القبائل.
  • القرار الوزيري بتاريخ 25 رمضان 1364 (14/8/1945) في ضبط تدبير الأملاك المشتركة التي وقعت في شأنها قسمة على وجه المنفعة المؤبدة.
  • الظهير الشريف المؤرخ في 11 جمادى الثانية 1370 (19/3/1951) في شأن سن ضابط لتدبير شؤون الأملاك المشتركة بين الجماعات وتفويتها.
  • الظهير الشريف رقم 1.59.172 المؤرخ في فاتح ذي القعدة 1378 (9/5/1958) بفسخ العقود الممنوحة بموجبها حقوق الانتفاع الدائم بالعقارات الجماعية وبمراجعة عقود أكريتها المبرمة لأمد طويل.
  • مرسوم رقم  2.59.382 والمؤرخ في 03 ذي القعدة 1378 (11/5/1959) بتأليف وتحديد كيفية تسيير اللجنة المحدثة بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.59.172 المشار إليه أعلاه.
  • الظهير الشريف رقم 1.06.078 المؤرخ في 5 محرم 1380 (30/6/1960) تفسخ بمقتضاه التفويتات المجراة بخصوص الأراضي الجماعية.
  • المرسوم رقم 2.60.331 بتاريخ 05 صفر 1380 (30/7/1960) في تحديد تركيب وكيفية تسيير اللجنة المحدثة بمقتضى الظهير رقم 1.60.078 المشار إليه أعلاه.
  • الظهير الشريف رقم 1.70.158 المؤرخ في فاتح شعبان 1390 (3 أكتوبر 1970) بشأن تفويت الأراضي الجماعية لفائدة بعض المغاربة.

ورغم صدور كل هذه الظهائر والقرارات والمراسيم فإنها لم تجب على تطلعات المستفيدين من الأراضي السلالية من جهة، كما أنها لم تجب على الانتظارات المرجوة من هذه الأراضي في سبيل النهوض بها، وإشراكها في مسلسل التنمية الاقتصادية للبلاد من جهة أخرى، حيث ظلت طرق استغلالها، وكيفيات توزيعها، فضلا عن المشاكل المستمرة بين المستفيدين منها عائقا يحول دون تطوير مردوديتها وإشراكها في الدورة الاقتصادية للبلاد التي يعتبر العقار أهم مقوماتها وأسسها، باعتباره أرضية إقامة المشاريع الاستثمارية والتنموية في مختلف القطاعات الصناعية والفلاحية والخدماتية، لا سيما إذا علمنا أن المساحة الإجمالية لهذه الأراضي تقدر بحوالي خمسة عشر مليون هكتار، أكثر من 85 في المائة منها تستغل في الرعي؛ ما دفع بالمشرع إلى التفكير في إعادة تنظيمها بموجب نصوص حديثة تتجاوز إكراهات ومعيقات الفترة السابقة؛ وذلك من خلال ثلاثة قوانين جديدة:

أولها- القانون 62.17 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها[2]، الذي جاء بمجموعة من المقتضيات التي توخى من خلالها المشرع تحسين منظومة التدبير وجعلها أكثر شفافية ووضوحا، مع تشديد الرقابة، وإقحام العقوبات الزجرية. فكان من أهم ما جاء به هذا القانون ما يلي:

– خضوع أراضي الكيش، المتخلى عن رقبتها لفائدة الجماعات السلالية، لهذا القانون بعدما كانت محكمة النقض تعتبر جميع هذه الأراضي غير خاضعة لظهير 1919. (المادة 2)

 وجوب تبليغ سلطة الوصاية بجميع الدعاوى والإجراءات التي تتم مباشرتها من طرف الجماعة السلالية أو ضدها؛ (المادة 5)

 إقرار حق جميع أعضاء الجماعة السلالية في الانتفاع ذكورا وإناثا؛ (المادة 6)

 منع أعضاء الجماعات السلالية من بعض التصرفات الضارة بأملاك الجماعة تحت طائلة الحرمان المؤقت من الانتفاع؛ (المادة 7والمادة 8)

 منع نواب الجماعات السلالية من بعض التصرفات الضارة بأملاك الجماعة تحت طائلة التجريد من صفة نائب، مع المتابعة؛ (المادة 12والمادة 13)

 تأكيد المقتضيات الحمائية بخصوص عدم جواز اكتساب ملكية أملاك الجماعات السلالية بالحيازة أو التقادم، وعدم جواز حجزها أو تفويتها أو نزع ملكيتها؛ (المادة 15)

 اعتبار حق الانتفاع حق شخصي غير قابل للتقادم ولا للحجز، مع عدم إمكانية التنازل عنه إلا للجماعة السلالية المعنية؛ (المادة 16)

 إمكانية تقسيم الأراضي الفلاحية خارج دوائر الري وغير المشمولة بوثائق التعمير، وإسنادها على وجه الملكية المفرزة أو الشائعة لفائدة عضو أو عدة أعضاء بالجماعة السلالية ذكورا و إناثا؛ (المادة17)

 تمكين الجماعة وسلطة الوصاية من طلب تحفيظ أملاكها، مع عدم إمكانية رفع أي تعرض إلا بإذن من مجلس الوصاية المركزي؛ (المادة 18)

 اعتماد المنافسة أصلا في كراء أو بيع غلل أراضي الجماعات السلالية، والمراضاة استثناء؛ (المواد19، 20، 21)

 إحداث مجلس وصاية مركزي يترأسه وزير الداخلية ويتألف من ممثلين عن الإدارة والجماعات السلالية؛ (المادة 32)

 إحداث مجلس وصاية إقليمي على صعيد كل عمالة أو إقليم يترأسه عامل العمالة أو الإقليم أو من يمثله ويتألف من ممثلين عن الإدارة على الصعيد الإقليمي، وممثلين عن الجماعات السلالية؛ (المادة 33)

 إقرار عقوبات زجرية عبارة عن غرامات وعقوبات سالبة للحرية بشأن الأفعال المؤثرة على حسن تدبير الأملاك الجماعية، وكذا بشأن كل اعتداء عليها أو أي فعل مؤد إلى ذلك. (المواد 34، 35، 36).

ثانيها- القانون 63.17 المتعلق بالتحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية[3]، الذي جاء هو الآخر بمجموعة من المقتضيات التي توخى من خلالها المشرع ترسيخ مكتسبات النص المنسوخ، وتطوير المسطرة بما يحقق نجاعتها ويضمن حقوق جميع الأطراف والمتدخلين. فكان من أهم ما جاء به هذا القانون ما يلي:

– التحول من تحديد الأراضي الجماعية بناء على الظن المجرد إلى اعتماد القرائن التي تقوم دليلا على اكتسابها هذه الصفة؛ (المادة 1)

 افتتاح عمليات التحديد الإداري بمرسوم بناء على اقتراح من وزير الداخلية؛ (المادة 2)

 التأكيد على منع إبرام أي تصرف يتعلق بالأراضي موضوع التحديد تحت طائلة البطلان، مع منع قبول أي مطلب مقدم من الغير باستثناء المطالب التأكيدية للتعرضات؛ (المادة 4)

 تقليص أجل تقديم التعرض بشكل كتابي أو شفوي من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر ابتداء من نشر الإعلان بإيداع محضر التحديد والتصميم المؤقت بالجريدة الرسمية؛ (المادة 9)

 الاستمرار في اعتماد أجل الثلاثة أشهر لتقديم المطالب التأكيدية للتعرضات ابتداء من تاريخ انصرام أجل تسجيلها؛ (المادة 10)

 متابعة تحفيظ المطالب التأكيدية طبقا لظهير التحفيظ العقاري، مع إلقاء عبء الإثبات على طالب التحفيظ بصفته متعرضا على عملية التحديد الإداري؛ (المادة 11)

 المصادقة الكلية أو الجزئية على عملية التحديد الإداري، تتم بمرسوم يتخذ باقتراح من وزير الداخلية استنادا إلى المحاضر والتصاميم المنجزة وشهادة المحافظ على الأملاك العقارية بحسب كل حالة على حدة. (المادة 12)

ثالثها- القانون 64.17 بتغيير وتتميم الظهير الشريف رقم 1.69.30 الصادر في 10 جمادى الأولى1389 الموافق 25 يوليوز 1969 المتعلق بالأراضي الجماعية الواقعة في دوائر الري[4]، الذي توخى من خلاله المشرع تعزيز الحماية لهذا النوع من الأراضي، لاسيما أجزاء أراضي الجماعات السلالية المشمولة بوثائق التعمير.

السؤل الثالث: في نظركم هل يمكن للقانون رقم 62.17 المتعلق بالجماعات السلالية والأراضي الجماعية أن يشكل إطارا داعما للدورة الاقتصادية أم أن تنظيم العلاقة بين الجماعات السلالية ومحيطها كان السبب في إصدار القانون المذكور؟

لا يمكن أن ننكر أن العلاقة بين الجماعات السلالية ومحيطها كان من الأولويات التي سعى القانون62.17 إلى تنظيمها، ويتجلى ذلك بوضوح من خلال المقتضيات الجديدة المشار إليها أعلاه التي انصبت على وضع إطار قانوني واضح وشفاف يبين حقوق واجبات النواب والأعضاء، دون الإخلال بالمقصد الأصلي الذي يتجلى في الحفاظ على الوعاء العقاري لهذه الجماعات وحماية أراضيها من أي نهب أو استيلاء؛ غير أنه لا يمكننا في الوقت نفسه أن ننكر الدوافع الاقتصادية الرامية إلى إدماج هذه الأراضي وإزالة العراقيل والعقبات التي تحول دون استثمارها الاستثمار الأمثل؛ وقد تجلى ذلك بوضوح  من خلال السماح في المادة 17 بإمكانية تقسيم الأراضي الفلاحية خارج دوائر الري وغير المشمولة بوثائق التعمير، وإسنادها على وجه الملكية المفرزة أو الشائعة لفائدة عضو أو عدة أعضاء بالجماعة السلالية ذكورا وإناثا؛ وذلك تجاوزا للمشكل الذي تعاني منه أغلب هذه الأراضي التي ضاقت بالمنتفعين منها بعد كثرة تعاقب المستفيدين؛ ما غلَّ أيديهم في استغلالها الاستغلال الأمثل وفرض عليهم تعطيل إنتاجها وتخصيصها في أغلب الأحوال للرعي فقط؛ فاتجهت إرادة المشرع إلى السماح بتقسيمها رغبة منه في تهييئ سبل إقحامها في الدورة الاقتصادية وإعادة الحياة إليها من خلال تمكين العضو أو الأعضاء من الملكية المفرزة كي يتأتى لهم حرثها أو غرسها أو استثمارها بأي وجه من أو جه الاستثمار الفلاحي أو الصناعي أو الخدماتي في إطار ما يسمح به القانون.

السؤل الرابع: في هذا الصدد إلى أي حد يمكن تقييم موقف المشرع من قضية المرأة السلالية؟

مما لا شك فيه أن القانون 62.17 قد حسم الجدل بشأن استفادة المرأة السلالية من حقها في الانتفاع، وأكد في المادة 16 على حق جميع أعضاء الجماعة السلالية في الانتفاع ذكورا وإناثا؛ غير أن الذي يعاب عليه أنه اكتفى بإقرار هذا الحق دون بيان الحلول القانونية للأوضاع السابقة العالقة المتراكمة خلال عقود فائتة؛ فجاءت عبارة المادة 16 بصيغة المضارع “يتم توزيع الانتفاع بأراضي الجماعة السلالية، من طرف جماعة النواب، بين أعضاء الجماعة ذكورا وإناثا، وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي”، ما يدل على أن هذا المقتضى خاص بتوزيع الانتفاع بين الأعضاء الأحياء المستفيدين حاليا ومستقبلا؛ دون أدنى إشارة إلى وضعية النساء المحرومات سابقا؛ ولا وضعية ذويهم حاليا بعد موت أمهاتهم؛ ولا الواجب اتخاذه إزاء المستفيدين من حقوق تلك النساء والممتنعين عن التنازل عنها لذوي تلك النساء بعد موتهن؛ وغيرها من المشاكل العالقة التي ستزداد تعقيدا وتشعبا مع المقتضى الجديد وما سيسفر عنه من منازعات قضائية وتظلمات إدارية.

السؤال الخامس: هل من توصيات لتغيير وتطوير أو تتميم القانون رقم 62.17 ؟

لقد نصت المادة 37 على أنه “يدخل هذا القانون حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية. غير أن الأحكام التي تقتضي نصوصا تطبيقية تدخل حيز التنفيذ ابتداء من تاريخ نشر تلك النصوص بالجريدة الرسمية”، وقد نشر هذا القانون بالجريدة الرسمية بتاريخ 26 غشت 2019، أي أنه لم يمض على دخوله حيز التنفيذ إلا سنة ونصف تقريبا؛ فضلا على أن النصوص التطبيقية المتعلقة به لم تصدر جميعها بعد؛ وبالتالي فإنه من المبكر في الوقت الحالي الحديث عن تقييم أو توصيات لتغيير وتطوير قانون لا زال في مراحل تطبيقه الأولى.

هذا والله أعلى وأعلم وأحكم.

شكرا لكم دكتور على هذه الإفادة العلمية ونتمنى أن نستضيفكم مرة أخرى على موقع الجامعة القانونية المغربية الافتراضية


[1] – منشور بالجريدة الرسمية عدد 329 بتاريخ 18/08/1919، ص 440.

[2] – صدر بتنفيذه الظهير الشريف 1.19.115 في 07 ذي الحجة 1440 موافق 9 غشت 2019، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6807، بتاريخ 26 غشت 2019، ص 5887. وهو القانون الذي نسخ كلا من الظهير الشريف المؤرخ في 25 رجب 1337 الموافق 27 أبريل 1919 بتنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات وضبط تدبير شؤون الجماعية وتفويتها، كما تم تغييره وتتميمه؛ وكذا الظهير الشريف المؤرخ في 11 جمادى الثانية 1370 الموافق 19/3/1951 في شأن سن ضابط لتدبير شؤون الأملاك المشتركة بين الجماعات وتفويتها.

[3] – صدر بتنفيذه الظهير الشريف 1.19.116 في 07 ذي الحجة 1440 موافق 9 غشت 2019، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6807، بتاريخ 26 غشت 2019، ص 5893. وهو القانون الذي نسخ الظهير الشريف المؤرخ في 12 رجب 1342 الموافق 18 فبراير 1924 في تأسيس ضابط خصوصي يتعلق بتحديد الأراضي المشتركة بين القبائل، كما تم تغييره وتتميمه.

[4] – صدر بتنفيذه الظهير الشريف 1.19.117 في 07 ذي الحجة 1440 موافق 9 غشت 2019، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6807، بتاريخ 26 غشت 2019، ص 5895.

عن Younestc

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.