خطأ المضرور و فعل الغير ( بين البعد النظري و الحدود التطبيقية )

خطأ المضرور و فعل الغير ( بين البعد النظري و الحدود التطبيقية )

 

    أيت مبارك ياسين

مستشار قانوني

 

المسؤولية أو الأمانة خاصية من خصائص الإنسان، ميزه الله بها منذ أن خلقه ومنحه عقلا مميزا يدرك الخير والشر، والقبح والفساد.

قال تعالى: ” إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا “والأمانة في الآية هي التزامات وتكاليف شرعية عرضها الله تعالى على السماوات والأرض والجبال الراسيات فخفن من ثقلها وشدتها وأعرضن عن حملها، وتحملها الإنسان الظالم لنفسه، الجاهل بعواقب الأمور

والمسؤولية بهذا المعنى هي ما يسميه القانونيون بالمسؤولية الأدبية أو الأخلاقية، وهي المسؤولية التي تشمل علاقة الإنسان بربه وينفسه وبغيره من الناس, وفي مقابلها المسؤولية القانونية، وهي التي تربط علاقة الإنسان بغيره من الناس، ومصدر التزاماتها القانون، وهي تنقسم إلى نوعين: المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية.

إذ تعتبر المسؤولية المدنية من المواضيع المهمة التي تناولها القانون المدني العالمي، ويعد تناول هذا الموضوع بشقيه العقدي والتقصيري، بمثابة إضافة نوعية، تضاف إلى أعباء القانون المغربي وتزيده ضخامة فوق ضخامته، إضافة إلى الفوائد المختلفة التي يجنيها رجل القانون من دراسة موضوع المسؤولية المدنية و التي يستلزم لقيامها تحقق عناصرها الثلاثة الخطأ الضرر و العلاقة السببية و هذه الأخيرة تثير العديد من المشاكل القانونية خصوصا عندما تتزاحم الأسباب المؤدية إلى حصول الضرر الواحد , أو عندما يترتب عن السبب الواحد سلسلة من الأضرار المباشرة و هو الشيء الذي يفرض رصد نوعية الأضرار القابلة للتعويض دون غيرها [1] و هو الأمر الذي تداركه المشرع الفرنسي إذ

 

نص في  المادة 166 من القانون المدني [2] على أنه “إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كحادث مفاجئ، أو قوة قاهرة، أو خطأ من المضرور، أو خطأ من الغير، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك” , يستخلص من هذا النص، الوارد في القانون المدني، أن السبب الأجنبي

La cause étrangère يؤدي إلى الإعفاء من المسؤولية المدنية (التقصيرية والعقدية). والسبب الأجنبي هو، كل فعل أو حادث من شأنه أن يجعل وقوع الفعل الضار مستحيلاً، ولا ينسب إلى المدعى عليه في دعوى المسؤولية المدنية.

وقد عرف القانون الروماني فكرة السبب الأجنبي؛ إذ كان يجيز للمدعى عليه في دعوى المسؤولية التقصيرية أن يدفع المسؤولية عن نفسه بإثبات أن لا يد له في وقوع الضرر، وإنما وقوعه يعود إلى سبب أجنبي. ومن ثم أخذ التقنين المدني الفرنسي بفكرة السبب الأجنبي من القانون الروماني، ومنه انتقل إلى القوانين العربية المتأثرة بالتقنين الفرنسي، ومنها القانون المدني المصري والقانون المدني المغربي .

وصور السبب الأجنبي، وفقاً لما في القانون المدني الفرنسي ، هي القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ، وخطأ المضرور، وخطأ الغير. وهذه الصور ليست حصرية، وإنما وردت على سبيل المثال، ومن ثم يمكن أن يضاف إليها أي سبب آخر تتوافر فيه شروط السبب الأجنبي ولاسيما عدم إمكانية التوقع وعدم إمكانية الدفع  .

و مايهمنا في هذا الموضوع هو كل من خطأ المضرور و خطأ الغير و هذا راجع إلى الاختلافات في إطار القانوني لهذين السببين .

إذ أن إشكال كل من خطأ المضرور وفعل  الغير يفترض البحث عن ما يتعين أن يتوافر لتحققهما ثم عن دورهما  في انتفاء أو تشطير المسؤولية , إلا أن أهم ما تثيره هذه الدراسة , هو تحديد معيارها الذي يثير بدوره  العديد من الصعوبات , و تتطلب دراسته عرضا لأهم النظريات الفقهية التي تطرقت لهذا الموضوع , و التطرق إلى أبرز تطبيقات هذه النظريات على مستوى الاجتهاد القضائي [3].

و للإلمام بالجانب النظري و التطبيقي لكل من خطأ المضرور و فعل الغير قسمنا الموضوع الى مبحثين، تطرقنا في الأول لمعيار السبب الأجنبي (خطأ المضرور و فعل الغير ) من زاوية رؤية الفقه , كما تناولنا في الثاني  لاهم التطبيقات القضائية في هذا الجانب

و هذا حسب التصميم التالي :

المبحث الأول : خطأ المضرور و فعل الغير بين الفقه و القانون  

المبحث الثاني :  تباين مواقف القضاء من خطأ المضرور و فعل الغير

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول 

 خطأ المضرور و فعل الغير بين الفقه و القانون

تمهيد

يجب تواجد ركن العلاقة السببية بالإضافة إلى كل من الخطأ و الضرر , إذ أن قانون الالتزامات و العقود أكد على حتمية توافر علاقة السببية بين الخطأ و الضرر و هذا في كل من الفصلين 77 و 78 , إذ علق شرط في عبارة   “إذا تبين أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر”.

و يعد موضوع العلاقة السببية بين من المواضيع المركبة , و هذا راجع لكون الضرر الواحد قد يكون نتاج لمجموعة من الأسباب و التي يستغرق أحدها الاخر , و يمكن أيضا أن تتعادل الأسباب في انشاء ضرر واحد , لهذا يجب علينا تبيان الاصرة بين و تحديد ما مدى قابلية الضرر هذا للتعويض عنه , و ما مدى إمكانية المدعى عليه دفع المسؤولية عنه بإثباته للسبب الأجنبي  كخطأ المضرور و فعل الغير .[4]

الفقرة الأولى : خطأ المضرور 

وهو صورة أخرى من صور السبب الأجنبي. ويستطيع المدين أن يدفع به المسؤولية عن نفسه إذا أثبت أن الضرر ناجم عن خطأ المضرور نفسه. ومثال ذلك إذا رمى أحد الأشخاص بنفسه أمام سيارة يتقيد سائقها بجميع القواعد المنصوص عليها في قانون السير من حيث السرعة والتيقظ والانتباه. ومن ثم لا يعد حارس السيارة مسؤولاً. ولا يشترط هنا أن يكون فعل المضرور غير متوقع الحصول، أو غير ممكن الدفع. ولكن يبدو أن محكمة النقض الفرنسية تقر بأن فعل المضرور، حتى لو لم يكن خطأً، لا يمكن أن يعفي المسؤول من المسؤولية

إلا إذا كان غير ممكن التوقع وغير ممكن الدفع

وبالمقابل يشترط أن يعد الفعل الذي يأتيه المضرور خطأ حتى يكون من شأنه التأثير في مسؤولية المدين. أما إذا كان فعل المضرور لا يعد خطأ، فلا يؤثر ذلك في مسؤولية المدين، إلا إذا توافرت فيه شروط القوة القاهرة من عدم توقع وعدم إمكانية الدفع، عندئذ يؤثر في مسؤولية المدين وفق ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية. ولا يشترط في مثل هذه الحالة من أجل نسبة الخطأ إلى المضرور أن يكون مميزاً. فإذا كان خطأ المضرور هو السبب الوحيد في وقوع الضرر فيعفى المدين من المسؤولية. أما إذا اشترك خطأ المضرور مع خطأ المدين في إحداث الخطر، فيجب التفريق بين حالتين:

1ـ استغراق أحد الخطأين للخطأ الآخر: إذا استغرق أحد الخطأين الخطأ الآخر، لا يكون للخطأ المستغرَق أي أثر. فإذا كان خطأ المدين قد استغرق خطأ المضرور، فتعد مسؤولية المدين كاملة عن الضرر، ولا تأثير لخطأ المضرور في مثل هذه الحالة في مسؤوليته. أما إذا كان خطأ المضرور قد استغرق خطأ المدين، فتنتفي مسؤولية هذا الأخير، ولا يحق للمضرور أن يطالب بالتعويض. ويكون أحد الخطأين مستغرقاً للآخر في حالتين:

أ ـ الخطأ المستغرِق يفوق في الجسامة كثيراً الخطأ المستغرَق: كأن يكون الخطأ المستغرِق خطأ عمداً، والخطأ المستغرَق غير عمدي، فعندئذ يستغرق الخطأ العمدي الخطأ غير العمدي. فإذا ارتكب المدين خطأ عمدياً أسهم مع خطأ المضرور غير العمدي في إحداث الضرر، يكون المدين مسؤولاً عن تعويض هذا الضرر كاملاً؛ لأن خطأه استغرق خطأ المضرور، كأن يتعمد السائق دهس عابر سبيل يجتاز الطريق من غير المكان المخصص للمشاة. وبالمقابل إذا كان خطأ المضرور متعمداً وخطأ المدين غير عمدي، فهنا تنتفي مسؤولية المدين لانتفاء علاقة السببية بين خطئه وبين الضرر، ويتحمل المضرور تبعة خطئه العمدي وحده، كما لو أراد شخص الانتحار فرمى بنفسه أمام سيارة كان سائقها يجري مكالمة هاتفية بواسطة جهازه النقال، فلا يكون هنا لخطأ السائق، والتحدث بالهاتف في أثناء القيادة، أثر في إحداث الضرر لأن خطأ المضرور العمدي استغرقه. وكذلك حال سائق دراجة يلتفت لمشاهدة حادث على الطريق ولا يتوقف مراعاة لوجود الحادث والحيطة والحذر منه، ومن ثم لم يلتفت إلى الطريق فتزحلقت دراجته بسبب انتشار بقع الزيت على الطريق نتيجة الحادث، فوقع على الأرض وبقيت الدراجة تتزحلق على جنبها إلى أن اصطدمت بسيارة متوقفة على بعد عشرة أمتار من الحادث، فأصيب بأضرار، إذ يستغرق خطؤه في مثل هذه الحال خطأ المدعى عليه.

والصورة الأخرى لاستغراق أحد الخطأين الآخر هي رضا المضرور بالضرر. ولا يزيل رضاء المضرور صفة الخطأ عن فعل المدين، ومن ثم يبقى من حيث المبدأ مسؤولاً عن تعويض ذلك الضرر. ولكن إذا وصل رضاء المضرور إلى حد الخطأ، فعندئذ يؤثر في مسؤولية المدين ويخفف منها، كمن يركب سيارة يقودها شخص ثمل فارتكب حادثاً ألحق به ضرراً، فهنا يعد الراكب راضياً بالضرر، وهذا الرضا يعد خطأ، يخفف من مسؤولية السائق. وفي بعض الحالات النادرة يعد رضا المضرور بالفعل خطأ جسيماً من شأنه أن يستغرق خطأ المدين فيعفيه من المسؤولية، مثلاً لو رضي صاحب سيارة بنقل مواد مهربة بسيارته مقابل مبلغ من المال، فصادرت الجمارك سيارته مع البضاعة، فلا يحق له الرجوع على صاحب المواد المهربة بشيء، لأنه عندما رضي بهذا الفعل ارتكب خطأ جسيماً.

ولا يكفي علم المضرور بالضرر من أجل تخفيف مسؤولية المدين، كما أن الرضا الذي لا يعد خطأ لا يؤثر من حيث المبدأ في مسؤولية المدين.

ب ـ كون أحد الخطأين نتيجة للآخر: إذا كان أحد الخطأين نتيجة للآخر فلا يعتد إلا بالخطأ الذي وقع أولاً. فإذا كان خطأ المضرور نتيجة لخطأ المدين، فلا تأثير لخطأ المضرور في مسؤولية المدين. كما لو ركب شخص مع صديق له في سيارته، وأخذ السائق يظهر له مهاراته في القيادة متجاوزاً السرعة القانونية بكثير مما أفزع ذلك الشخص، فأنتهز فرصة خفف فيها السائق من سرعته ورمى بنفسه على حافة الطريق مما أدى إلى إلحاق ضرر به، فخطؤه هنا هو نتيجة لخطأ السائق ومن ثم لا يعتد به، ويبقى السائق مسؤولاً مسؤولية كاملة عن الضرر.[5] وكذلك الحال إذا أخطأ المريض في تناول كمية من الدواء بناءً على وصفة خاطئة من الطبيب، فلا يؤثر خطؤه في مسؤولية الطبيب لأنه كان نتيجة لخطأ الطبيب. أما إذا كان خطأ المدين هو نتيجة لخطأ المضرور، فتنتفي مسؤوليته لانتفاء علاقة السببية بين خطئه وبين الضرر. ويترتب على ذلك أنه إذا توافرت حالة من هاتين الحالتين يكون أحد الخطأين قد استغرق الخطأ الآخر، فإذا كان خطأ المضرور قد استغرق خطأ المدين، يجوز عندئذٍ للقاضي ألا يحكم بأي تعويض.

أما إذا كان خطأ المدين قد استغرق خطأ المضرور، فلا يؤثر ذلك في مسؤوليته ويبقى مسؤولاً مسؤولية كاملة عن تعويض الضرر الذي أحدثه بخطئه.

2ـ استقلال الخطأين: إذا لم تتوافر إحدى حالتي استغراق خطأ للخطأ الآخر، عندئذ يكون خطأ المضرور مستقلاً عن خطأ المدين، ويكون قد اشترك خطؤه مع خطأ المدين في إحداث الضرر، فيكون الخطأ مشتركاً. ومثال ذلك أن يقوم عابر سبيل بعبور طريق من دون التأكد من خلوه، فتدهسه سيارة مسرعة ويتسبب السائق بوفاته، فهنا تكون المسؤولية مشتركة حتى لو كان المضرور صغيراً.

ويترتب على ذلك أن المضرور والمدين يتحملان معاً نتيجة الخطأ المشترك، وتشطير  المسؤولية في مثل هذه الحالة

والأصل في توزيع المسؤولية هنا أن يكون بناءً على جسامة الخطأ، فإذا لم يتمكن القاضي من تحديد ذلك، كانت المسؤولية بالتساوي. ويترتب على ذلك أنه يجب أن يكون توزيع المسؤولية متوافقاً مع الأخطاء المشتركة.

وتوزيع المسؤولية على نحو يتوافق مع الأخطاء المشتركة أمر موضوعي يخضع للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع الذي يستقل بذلك دون معقب بشرط أن يبين في حكمه عناصر الضرر والأسس التي اعتمد عليها في تحديد المسؤولية وتوزيعها من أجل أن تتمكن محكمة النقض من ممارسة رقابتها، والتأكد من سلامة توافق توزيع المسؤولية مع الأخطاء المشتركة.

ويتم توزيع المسؤولية وفقاً لما سبق حتى لو كان كل من الطرفين مضروراً و مسؤولاً (أي دائناَ ومديناً) في الوقت ذاته، وهذا هو الحال في حوادث السير. وعندما تقوم محكمة الموضوع بتوزيع المسؤولية، في حالة الخطأ المشترك، عليها أن تبين في قرارها الأخطاء المرتكبة حتى تتمكن محكمة النقض من بسط رقابتها فيما إذا كانت نسبة المسؤولية المقررة تنسجم مع تلك الأخطاء.

ويترتب على ذلك أن عدم تحديد المحكمة الأخطاءَ المرتكبةَ لنسبة المسؤولية تحرم محكمة النقض من بسط رقابتها على توافق تلك النسبة مع الأخطاء المرتكبة، ومن ثم يجعل حكمها عرضة للنقض.

الفقرة الثانية : خطأ الغير

وهو صورة كذلك من صور السبب الأجنبي. ويستطيع المدين أن يدفع المسؤولية عن نفسه إذا كان الضرر ناجماً عن فعل الغير. ويشترط في فعل الغير أن يكون غير ممكن الدفع وغير متوقع الحصول. أما إذا كان فعل الغير ممكن الدفع أو متوقع الحصول وأهمل المدين في دفعه فإنه يعد مسؤولاً.

ويقصد بالغير في هذا النطاق كل شخص لا يسأل المدين عنه، ومن ثم هو كل شخص أجنبي عن المدين. أما إذا كان الغير من الأشخاص الذين يسأل المدين عنهم، فلا يؤثر الخطأ الذي يرتكبه في مسؤولية المدين، كما لو كان الغير تابعاً للمدين، أو كان خاضعاً لرقابته، كابنه. ولا يشترط أن يكون الغير معروفاً حتى يؤثر خطؤه في مسؤولية المدين، كما لو ارتكب الغير خطأً دفع المدين إلى ارتكاب حادث ألحق ضرراً بالمضرور، ثم هرب الغير، فيبقى خطؤه في مثل هذه الحالة مؤثراً في مسؤولية المدين على الرغم من هرب الغير وعدم التعرف عليه.

فإذا كان فعل الغير هو السبب الوحيد في وقوع الضرر، وكان يعد خطأً، فيسأل الغير وحده عن تعويض ذلك الضرر. أما إذا لم يعد خطأً وتوافرت فيه شروط القوة القاهرة المتمثلة بعدم إمكانية التوقع، وعدم إمكانية الدفع، فيعد من قبيل القوة القاهرة، وتنتفي مسؤولية المدين وذلك لانتفاء علاقة السببية بين خطئه وبين الضرر. أما إذا اشترك خطأ الغير مع خطأ المدين، فتطبق القواعد ذاتها المطبقة على خطأ المضرور.

فإذا كان أحد الخطأين يستغرق الآخر، لا يكون للخطأ الـمُستغرَق أي أثر. فإذا استغرق خطأ الغير خطأ المدين، فلا يعد المدين مسؤولاً عن التعويض وذلك لانتفاء علاقة السببية. ويعد الغير في مثل هذه الحالة مسؤولاً عن تعويض الضرر الذي وقع نتيجة خطئه.

أما إذا لم يستغرق أحد الخطأين الآخر، فتطبق أحكام الخطأ المشترك. ومن ثم يسأل الغير والمدين على وجه التضامن. ويكون لمن دفع كامل التعويض الحق في الرجوع على الآخر بنصيبه الذي يتحمله وفقاً لما حدده القاضي.

أما إذا كان فعل الغير قد توافرت فيه شروط القوة القاهرة واشترك مع خطأ المدين في إحداث الضرر؛ فيسأل المدين في مثل هذه الحال عن تعويض  الضرر كله وذلك لأن فعل الغير يعد من قبيل القوة القاهرة. ويمكن في بعض الأحيان أن يأخذ القاضي ذلك بالحسبان

تلكم أهم النقاط التي خلصنا لها من جانب النظريات الفقهية و الان سنمر الى تبيان موقف الاجتهاد القضائي .

المبحث الثاني

تباين مواقف القضاء من خطأ المضرور و فعل الغير

 

تمهيد

لا شك أن انتفاء أو تشطير المسؤولية بين مرتكب الخطأ و المدعي أو الغير يؤثر سلبا على حق المضرور في الحصول على تعويض إضافي , و هذا راجع إلى بعض التفسيرات التي اعتمدها القضاء و التي سنبرزها من خلال عدد من القرارات القضائية .

 

الفقرة الأولى : خطأ المضرور 

يعرف الجانب المتعلق بدفع المسؤولية عن حارس السيارة بسبب خطأ المضرور تضاربا في المواقف و الآراء القضائية , فتارة تحمل حارس السيارة كامل المسؤولية رغم خطأ المضرور و تارة أخرى تعفي حارس السيارة كامل رغم خطأ المضرور .

حيث جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى أنه :  “لا يكفي للإعفاء من المسؤولية إلى جانب خطأ الضحية تصريح المحكمة بأن المسؤول كان يسير بسرعة محدودة و منحاز لليمين , بل يجب أن تبين المحكمة بأسباب ما إذا كان المسؤول في إمكانه أن يوقف السيارة لأنه كان يسير بسرعة محدودة “[6]

كما أكد قرار اخر أنه “يستوجب نقض القرار الذي أعفى الحارس من المسؤولية لمجرد أن الضرر يرجح إلى خطأ الضحية دون أن يبحث ما إذا فعل هذا الحارس حقا من جانبه ما كان ضروريا لتفادي وقوع الضرر “[7]

و حيث نتج قرار جلي بهذا الخصوص ” إظهار خطأ الضحية في إقدامه عل قطع الطريق بصفة تهوريه لا يكفي تحميله المسؤولية إلا بعد تبيان الأعمال الضرورية و الانقيادية التي قام بها السائق [8]

كما أن هنالك قرارات جاءت عكس هذا الاتجاه الذي يجعل من خطأ المضرور سببا غير كاف لإعفاء المدعى عليه من المسؤولية  , إذ أن هذه القرارات بإعفاء و تقسيم المسؤولية .

 

إذ جاء في قرار صادر عن محكمة الاستئناف بمراكش “و حيث يتضح من محضر المعاينة  الرسمي للحادث أن السبب في الاصطدام يرجع لخطأ مشترك بين المتهمين يتمثل في السير في الاتجاه الممنوع الأمر الذي ارتأت معه المحكمة تعديل الحكم الابتدائي في المسؤولية بإعادة تشطيرها مناصفة بينهما ” [9]

الفقرة الثانية : فعل الغير

و في ما يخص خطأ الغير و ما مدى وصوله الى درجة الاعفاء من المسؤولية و بين تشطيرها على الأطراف و هذا من خلال بعض القرارات مثل ما جاء في قرار محكمة النقض الحكم المدني عدد 147 “إن خطأ الغير لا يمكن أن يعفى من المسؤولية إلا إذا كان هذا الخطأ قوة قاهرة أو حدثا فجائيا .إذ أن محكمة الاستئناف بعدما صرحت أن ما قام به صاحب الدراجة  س3 غير متوقع و أن صاحب الدراجة النارية س2 لم يثبت أن ما قام به كان مضطرا  إليه اضطرارا مطلقا و أن س2 لم يثبت عدم إمكانه القيام بعملية إنقاذ أخرى ”

قضت بتحميل  س 2 ربعع المسؤولية فقط عن الحادث و لهذا فإن المحكمة لم تستخلص النتيجة الطبيعية من الوقائع الثابتة لديها و هي أن س 2 بقى مسؤولا طبقا للفصل 88 من ظهير الالتزامات و العقود عن الأضرار التي تسبب فيها .[10]

لهذا قررت بنقض و إبطال الحكم المطعون فيه .

 

من خلال استعراضنا لمختلف هذه القرارات يتبين لنا تضارب الآراء و المواقف القضائية بخصوص تحديد المسؤولية، حيث كان موقف القضاء يتأرجح تارة بالأخذ بعدم كفاية خطأ المضرور لإعفاء المدعى عليه , و تارة اعفاء المدعى عليه من المسؤولية أو تشطيرها بين كل من المضرور و المسؤول و هذا يرجع الى قناعات القضاة و سلطتهم التقديرية التي يتمتع بها قضاة الموضوع  بالإضافة كذلك إلى توجهات المحاكم .

 

 

لائحة المراجع

 

عبد القادر العرعاري، مصادر الالتزامات، الكتاب الثاني: المسؤولية المدنية، مطبعة الكرامة-الرباط

اليموري فريدة , إشكالية معيار علاقة السببية بين رأي الفقه و موقف القضاء , المجلة المغربية للأنظمة القانونية و السياسية

حسين عامر و عبد الرحيم عامر , المسئولية المدنية التقصيرية و العقدية , طبعة 1989 , دار المعارف

القانـون المدني الفرنسي  رقـم 2018/287

ظهير 6 فبراير 1963.

[1] عبد القادر العرعاري، مصادر الالتزامات، الكتاب الثاني: المسؤولية المدنية، مطبعة الكرامة-الرباط

 

[2]   القانـون المدني الفرنسي  رقـم 2018/287

[3]  اليموري فريدة , إشكالية معيار علاقة السببية بين رأي الفقه و موقف القضاء , المجلة المغربية للأنظمة القانونية و السياسية

[4] حسين عامر و عبد الرحيم عامر , المسئولية المدنية التقصيرية و العقدية , طبعة 1989 , دار المعارف

[5]  الفصل 183 من ظهير 6 فبراير 1963.

[6]  قرار عدد 205 صادر بتاريخ 1969/4/23

[7] قرار صادر عن المجلس الأعلى تحت عدد 75 بتاريخ 1988/1/6

[8] قرار صادر عن المجلس الأعلى تحت عدد 205 بتاريخ 1995/4/13

[9]  قرارصادر عن محكمة الاستئناف بمراكش بتاريخ 2010/10/21 في الملف عدد 2009/1158

[10] قرار صادر عن المجلس الأعلى تحت عدد 147 بتاريخ

1969/03/26

Www.droitentreprise.com

عن safae wazani

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.