خيار الرجوع في العقد كآلية لحماية المستهلك في العقود المبرمة عن بعد

لقد كشف التقدم التكنولوجي الذي أصبح يرافق إنتاج السلع وتقديم الخدمات، بسبب
الثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي اكتسحت كل المجالات، وأثرت بشكل جلي على كل مناحي الحياة المعاصرة، على أن أهم ما يحتاجه المستهلك في المرحلة السابقة على إبرام عقد استهلاكي، هو مده بالقدر الكافي من المعلومات والبيانات بشأن السلعة أو الخدمة محل التعاقد حتى يستطيع الوقوف على حقيقة مصالحه. ولذلك أثر إيجابي في إعادة التوازن للعلاقة التعاقدية التي تربط بين طرفين غير متكافئين فيما يتعلق بالعلم والإحاطة بهذه

البيانات والمعلومات.

لأجل ذلك أفرت العديد من التشريعات المدنية التزاما جديدا على عاتق المهني هو التزامه بإعلام المتعاقد الأقل خبرة ودراية بالمضمون العقدي، وخصصت له مكانة مهمة ضمن مقتضياتها المهتمة بحماية المستهلك2. انطلاقا من مسلمة أساسية تكمن في أن ضمان هذا الحق للمستهلك يعتبر من المكونات الأساسية لدعم نظم حماية المستهلك وتوعيته بحقوقه

وكيفية الدفاع عنها واستفادته منها.

إلا أن عدم الوفاء بهذا الالتزام بشكل كاف من شأنه أن يظل معه رضا المستهلك بالعقد غير سليم وغير صحيح، ويمتد ذلك إلى مرحلة ما بعد التعاقد، فيجد المستهلك نفسه ملزما بعقد لا يستجيب لاحتياجاته الحقيقية، أو يتجاوز حدود إمكانياته المادية. فكان لابد من إيجاد آلية قانونية تعالج هذا الوضع غير السليم وتعيد نوعا من التوازن لعلاقة تعاقدية تعتبر في

الأصل غير متوازنة.

1ـ يعرف بالفرنسية ب Droit à repentir وبالأنجليزية بRight to repent. وقد ترجم لعدة معاني كالحق في إعادة النظر والحق في الرجوع وخيار الرجوع ورخصة السحب، وهي كلها معاني تعبر عن نفس المعنى وهو حق المستهلك في التحلل من العقد المبرم على وجه صحيح بإرادته المنفردة. وأوثر تسمية هذا الحق بخيار الرجوع انسجاما مع نظرية الخيارات التي تناولها الفقه الإسلامي.

2ـ نزهة الخلدي. الالتزام بالإعلام ودوره في تنوير إرادة المستهلك. مجلة القضاء المدني. العدد4 خاص بحماية المستهلك. ص:851. 1

مقدمة.

وبالفعل فقد اهتدت جل التشريعات المهتمة بمادة حماية المستهلك إلى إقرار حق هذا
الأخير في نقض العقد والرجوع فيه بإرادة منفردة ووفق شروط محددة3. فكان الهدف من ثبوت هذا الحق هو حماية رضا المستهلك وتنقيته مما قد يعلق به من عوامل المجازفة التي تؤدي إلى الندم عن طريق منحه مهلة إضافية للتروي والتدبر في أمر العقد الذي أبرمه، درءا للأخطار التي قد تلحق به كأثر لتسرعه في التعاقد، خاصة مع ما تتميز به المعاملات

الحالية من وسائل جذب وإغراء4.

ورغم ما لهذا الحق من أثر على هدم مبدأ القوة الملزمة للعقد5، والعبث بوظيفته الاجتماعية، فلا أحد ينكر أهميته في حماية رضا المستهلك، الذي يجد نفسه منجذبا للتطور المتسارع لوسائل الاتصال وطرق التسويق عن بعد، التي توفر له الجهد والوقت ونفقات التنقل وتمكنه من فرص التسوق من العديد من المدن الوطنية إن لم نقل من العديد من دول العالم وهو في بيته أو مقر عمله. فكان لهذه السرعة في إبرام العقود الاستهلاكية أثرها

السلبي في حرمان المستهلك من فرصة إصدار قرارات مستنيرة.

فغالبا ما يبني المستهلك قراره بالتعاقد عن بعد، أو ما يعرف بعقود المسافة، على وصف السلعة وصورتها المعروضة على الأنترنيت. والفكرة المتاحة من مجرد الأوصاف أو من صورة السلعة على شاشة الحاسوب قد لا تعطي المستهلك تصورا كافيا يسمح له بإصدار قراره بناء على إرادة واعية مستنيرة، ولا إعطاء الحكم الصحيح الدقيق عن السلعة. لأن الفكرة المستقاة من هذه الصورة عادة ما تكون محاطة بكثير من وسائل الدعاية والإغراء المبالغ فيهما، مما قد يؤدي به إلى الندم على الدخول في مثل هذه العلاقات التعاقدية، والرغبة

في العدول عنها بأقل الخسائر الممكنة6.

3ـ لقد تناول القانون الفرنسي هذا الحق بموجب قانون رقم 27.6 لسنة 87.6 المتلق بالبيع بالمنازل ( Le démarchage à domicile ). وكذلك بموجب قانون رقم 68711 الصادر في 2 يناير 8711 الخاص بالبيع عبر المسافات وعن طريق التلفزيون. كما قرر القانون الأنجليزي حق المشتري في العدول بموجب القانون الصادر سنة 87.4( The consumer credit ACT ). كما أقره المشرع الألماني بموجب قانونه الصادر سنة 87.4 والخاص بالبيع بالتقسيط. وقانون الولايات المتحدة الأمريكية لسنة 8725. والقانون الكندي لسنة 87.1. أشار لهذه القوانين خالد ممدوح إبراهيم. م س.ص: 665 و662.

4ـ إبراهيم الدسوقي أبو الليل. الرجوع في التعاقد كوسيلة لحماية الرضا. دراسة لفكرة العقد غير اللازم في الشريعة الإسلامية وتطبيقاته في القانون الوضعي. مجلة المحامي الكويتية. السنة الثانية. الأعداد يولوزـ غشت وسبتمبر السنة 8715. ص:.8. ـ أحمد محمد محمد الرفاعي.الحماية المدنية للمستهلك إزاء المضمون العقدي. دار النهضة العربية. 8774.ص: 15.

5ـ يجد هذا المبدأ أساسه في الفصل 632 ق ل ع الذي ينص على ما يلي:” الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا بضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون”. ويعبر عن هذا المبدأ أيضا بالعقد شريعة المتعاقدين، ويفيد أن الالتزام الناشئ عن العقد يعادل في قوته الالتزام الناشئ عن القانون. وبما أن الفرد لا يجوز له أن يتحلل من التزام قانوني فهو كذلك لا يجوز له التحلل من التزام تعاقدي. نزهة الخلدي. الموجز في النظرية العامة للالتزامات. مصادر الالتزام. العقد . الطبعة الأولى. 6283. مطبعة تطوان. ص: 866.

6ـ أيمن ساعدة وعلاء خصاونة.خيار المستهلك بالرجوع في البيوع المنزلية وبيوع المسافة. مجلة القضاء المدني. العدد 4 الخاص بحماية المستهلك. ص: 24.

2

فماذا نقصد بخيار الرجوع في العقد؟ وما هي حدود وشروط ممارسته؟ وما هي فلسفة المشرع من إقرار؟

مفهو خيار الرجوع في العقد.

لغة الخيار هو طلب خير الأمرين وأفضلهما، ومنه الاستخارة أي طلب الخيرة. وخيره بين الشيئين أي فوض إليه الخيار. وجاء في المصباح المنير أن الخيار اسم من الاختيار، وخيرته بين الشيئين فوضت إليه الاختيار فاختار أحدهما وتخيره.

ومن الناحية الاصطلاحية عرفه بعض الفقه بأنه سلطة أحد المتعاقدين بالانفراد بنقض
العقد والتحلل منه دون توقف ذلك على ّإرادة الطرف الآخر. ويمكن تعريفه بأنه تلك الرخصة القانونية التي يحق بموجبها للمستهلك دون المهني نقض العقد إما بالتحلل من محله

نهائيا واسترداد ما دفعه من مقابل أو باستبداله بآخر مع الإبقاء على العقد قائما.

والعدول عن العقد حق شخصي مقرر لمستهلك يخضع لمطلق تقديره ويمارسه وفقا لما
يراه محققا لمصالحه، فهو ليس ملزما بإبداء أسباب معينة لهذا العدول. فهو حق ثابت للمستهلك حتى وإن لم يخل المتعاقد الآخر بالتزاماته، يمارسه بإرادته المنفردة ودون حاجة

للجوء إلى القضاء.

ومن طبيعته أنه حق مؤقت. فالغاية من إقرار هذا الحق تتنافى مع جعله حقا دائما
للمستهلك حتى لا يبقى معه المتعاقد الآخر مرتابا بين جواز العقد أو انحلاله لمدة غير محددة، وهو ما يؤثر سلبا على استقرار المعاملات. لذلك فهو حق مؤقت ينقضي باستعماله

أو بمرور المدة المحددة لذلك، وهي حسب جل التشريعات سبعة أيام من تاريخ التسليم.

وحق المستهلك في ممارسة هذا الخيار يعتبر من النظام العام طبقا للمادة 44 من القانون رقم 80.13 المتعلقة بالعقود المبرمة عن بعد، والمادة 44 من نفس القانون المتعلقة بالبيع خارج المحلات التجارية. وتبعا لذلك لا يجوز للمستهلك التنازل عنه، ويقع باطلا وعديم الأثر كل شرط يلغيه أو يضيق من حدود ممارسته، لأن الهدف من إقراره هو حماية

الطرف الضعيف، وهو غالبا ما يتعلق بالنظام العام الحمائي.

وحق الرجوع بهذا المعنى ووفقا لهذه الطبيعة القانونية هو الذي ينسجم مع خيار الرجوع الذي يجد مصدره في النص القانوني (الرجوع القانوني في العقد) وهو المقرر لحماية فئة محددة من المتعاقدين (المستهلكين) وبالنسبة لعقود معينة (عقود الاستهلاك عن بعد أو خارج المحلات التجارية). حيث تقتضي مبادئ العدالة التعاقدية حماية هذه الفئة من

مخاطر هذا النوع من المعاملات رغم ما يشكله ذلك من هدم لمبدأ القوة الملزمة للعقد.

3

نطاق إعمال خيار الرجوع.

نظرا لما يشكله خيار الرجوع في العقد من استثناء عن مبدأ القوة الملزمة للعقد الذي
يرقى بالعقد كتصرف قانوني سليم إلى مصاف القانون في تنظيم العلاقة التعاقدية بين الأطراف المتعاقدة. فإن مجال تطبيق هذا الاستثناء يجب أن يبقى محدودا في تصرفات قانونية تبرر طريقة إبرامها وكيفية حصول التراضي فيها اقترانها بهذا الخيار (ثانيا) حماية

لفئة من المتعاقدين تستوجب مبادئ العدالة التعاقدية تمتيعها بهذه العدالة (أولا).

أولا: نطاق خيار الرجوع من حيث الأشخاص.

إن المستفيد من خيار الرجوع في التعاقد عن بعد أو البيع خارج المحلات التجارية هو
المستهلك، كما عرفته المادة الثانية من القانون رقم 80.13 بأنه: “كل شخص طبيعي أو معنوي يقتني أو يستعمل لتلبية حاجياته غير المهنية منتوجات أو سلعا أو خدمات معدة لاستعماله الشخصي أو العائلي”. أي المستهلك بالمعنى الضيق والمحدود في ذلك الشخص الذي يتعاقد من أجل اقتناء أو استعمال منتوجات أو سلع أو خدمات بهدف الاستعمال

الشخصي أو العائلي.

وانسجاما مع نص المادة المذكورة أعلاه فإن المستهلك الذي يتعاقد من أجل أغراضه
المهنية حتى وإن كان ذلك لا يدخل في مجال تخصصه المهني وليست له علاقة مباشرة بهذا التخصص فإنه لا يستفيد من خيار الرجوع في العقد. لأن مجرد تعاقد الشخص من أجل حاجات مهنته ولو كان ذلك خارج نطاق تخصصه يفرض عليه أن يكون أكثر يقضة وحذرا. ولذلك لا يجب معاملته بنفس المعاملة التي يحظى بها المستهلك العادي. لأنه يبقى مالكا على الأقل للحد الأدنى من المقومات اللازمة للإحاطة والعلم بموضوع العقد وتقييم مدى انسجامه

مع حاجياته وإمكانياته بعيدا عن كل وسائل الإغراء والتحريض.

ثانيا: نطاق خيار الرجوع من حيث العقود المعنية بهذا الحق.

بالنسبة للمشرع المغربي ينحصر مجال إعمال خيار الرجوع في العقود المبرمة عن بعد والبيع الذي يتم خارج المحلات التجارية.

فبالنسبة للعقود المبرمة عن بعد أو ما يعبر عنها بعقود المسافة، فتشمل التعاقد عن
طريق الأنترنيت والتلفزيون والهاتف. ويشمل البيع خارج المحلات التجارية البيع في المنازل أو بمقرات العمل.

والخاصية المشتركة بين هذه الأنواع من التصرفات القانونية هي أنها تتم بين المستهلك والمورد بدون حضورهما شخصيا وبشكل مباشر وفي آن واحد، اعتمادا على إحدى تقنيات

4

الاتصال. وعرف المشرع المغربي “تقنية الاتصال” عن بعد بأنها كل وسيلة تستعمل لإبرام العقد بين المورد والمستهلك بدون حضورهما شخصيا وفي آن واحد (الفقرة الأولى من المادة 52 من قانون 80.13). أما التوجيه الأوروبي فقد عرفها بأنها كل وسيلة تستخدم في التعاقد ما بين المورد والمستهلك بدون التواجد المادي والمتزامن لهما وذلك حتى إتمام التعاقد

بين الأطراف.

الشروط المؤطرة لخيار الرجوع في العقد.

إذا كانت الغاية من إقرار خيار الرجوع في العقد في العقود المبرمة عن بعد والبيع خارج المحلات التجارية هي حماية رضا المستهلك الذي يكون ضحية الإغراء بالصوت والصورة، أو ضحية الحث على التعاقد بوسائل الإقناع المتنوعة والذكية للمورد، فإن ذلك

يشكل ضمانة مهمة له تبدد مخاوفه من جهة، وتشجعه على التسوق عن بعد من جهة أخرى.

وحتى لا يتعسف المستهلك في استعمال خيار الرجوع أحاطته جل التشريعات التي تبنته بمجموعة من الضوابط الغاية منها التطبيق السليم والمبرر لهذا الخيار.

أولا:الشرط المرتبط بمدة ممارسة خيار الرجوع

إن ارتباط العقد بخيار الرجوع يجعله محاطا بحالة من الشك وعدم الاستقرار، لأنه
مهدد بنقضه والرجوع فيه من طرف المستهلك الذي يعتبر العقد غير لازم بالنسبة له. لذلك فالمنطق القانوني يفرض أن لا تدوم حالة الشك وعدم الاستقرار هذه طويلا. مما دفع بالتشريعات إلى تحديد مدة خيار الرجوع يكون المستهلك ملزما بممارسة هذا الحق خلالها.

وفواتها دون نقضه العقد يعتبر قرينة على رضاه بمحل التعاقد والإبقاء على العقد.

حدد التوجيه الأوروبي المتعلق ببيوع المسافة مدة العدول في سبعة أيام تبدأ من تاريخ تسلم البضائع. وهي نفس المدة إذا انصب البيع على الخدمات لكن تحسب ابتداء من تاريخ إبرام العقد. وهي نفس المقتضيات التي تبناها المشرع المغربي من خلال الفقرة الثالثة من الفصل 83 من قانون 80.13 التي تنص على ما يلي: “للمستهلك أجل سبعة أيام كاملة

لممارسة حقه في التراجع،

ثلاثين يوما لممارسة حقه في التراجع في حالة ما لم يف المورد بالتزامه بالتأكيد
الكتابي للمعلومات المنصوص عليها في المادتين 54 و85. وذلك دون الحاجة إلى تبرير ذلك أو دفع غرامة باستثناء مصاريف الإرجاع إن اقتضى الحال ذلك.

تسري الآجال المشار إليها في الفقرة السابقة ابتداء من تاريخ تسلم السلعة أو قبول العرض فيما يتعلق بتقديم الخدمات…”.

5

ونظرا لأهمية هذا الحق في هذا النوع من العقود، فإن المورد ملزم بإعلام المستهلك
أثناء إبرام العقد بحقه في الرجوع وبشروط وكيفية ممارسته، وذلك بموجب الفقرة الثالثة من الفصل 85 من قانون 80.13 تحت طائلة أن تصبح مدة ممارسته هذا الحق ثلاثين يوما بدلا

من سبعة أيام.

ثانيا: التزامات المستهلك في حالة خيار الرجوع في العقد.

ضمانا لعدم تعسف المستهلك في استعماله لخيار الرجوع، فإنه خلال المدة المحددة
قانونا لممارسة هذا الحق يكون ملزما بالمحافظة على الشيء المبيع، وهو في سبيل ذلك ملزم ببذل عناية الرجل العادي في حفاظه على أمواله الخاصة. وكل تلف أو تعيب يلحق المبيع بسبب تقصيره أو عدم اتخاده الاحتياطات اللازمة من أجل تنفيذ هذا الالتزام يرتب مسؤوليته

العقدية في مواجهة الورد.

وهو التزام منطقي لأنه في حالة ما إذا اختار نقض العقد والرجوع فيه عليه رد البضائع أو المنتجات محل العقد على نفس الحالة التي تسلمها عليها. وهو الأمر الذي يصعب تحقيقه بالنسبة للمنتجات سريعة التلف أو الهلاك. لذلك أقرت أغلب التشريعات التي أخذت بخيار الرجوع استثناء بعض البيوع الواقعة على أنواع محددة من البضائع من هذا الخيار، إلا إذا وجد اتفاق خاص، كالبيوع المنصبة على برامج الحاسوب والتسجيلات الصوتية أو المرئية حماية لحقوق البائع، إذ بمجرد فض أختام هذه المواد يعني عدم ضمان ردها دون احتفاظ المستهلك بنسخة منها. وهو نفس الاستثناء الذي نصت عليه المادة 83 من قانون

80.13 المغربي إضافة إلى استثناءات أخرى.

ومن التزامات المستهلك أيضا في حالة اختياره التحلل من العقد خلال المدة المحددة تحمل مصاريف وتكاليف الإرجاع (الفقرة 8 من المادة 83 من قانون 80.13). وتحميل المستهلك هذه النفقات يضفي طابع الجدية على ممارسة هذا الحق. ذلك أن المستهلك لا يكلف

نفسه عبء دفع هذه المصاريف إذا لم تكن له مبررات فعلية لإعمال هذا الحق.

وليست هناك شكليات محددة يتعين على المستهلك الالتزام بها أثناء ممارسته لخيار الرجوع، وإنما عليه أن يعلم المورد بقراره الرجوع في العقد داخل الأجل القانوني وبطريقة معقولة.

النقطة الثالثة التي أود الوقوف عندها تتعلق بمبررات خيار الرجوع في العقد كاستثناء عن مبدأ القوة الملزمة للعقد

يحوف التعاقد عن بعد العديد من المخاطر تهدد مصالح المستهلك وعنصر الرضا

بالنسبة له، فالسرعة والطريقة التي تتم بها العقود عن بعد، وضعف مركز المستهلك في

6

مواجهة مورد السلعة أو الخدمة، وقوة تأثير الصورة والدعاية والمبالغة في تعداد مزايا ومحاسن معروضات البيع، وتعدد وسائل الحث والإرغام على التعاقد، كلها عوامل تساهم في جعل رضا المستهلك بالعقد يأتي متسرعا وخاليا من عناصر التمهل والتدبر والتفكير،

فيكتشف بعد إبرام العقد عدم ملاءمته لاحتياجاته، أو يتجاوز حدود إمكانياته.

هنا يبدأ المستهلك في التفكير في وسيلة للتحلل من هذا العقد فأول عقبة تواجهه هي مبدأ القوة الملزمة للعقد الذي يفيد بأن العقد المبرم على وجه صحيح يقوم مقام القانون بالنسبة لعاقديه. وبالتالي لايجوز لأحد منهما أن ينفرد بنقض العقد أو بتعديل أحكامه.

لهذه الأسباب وغيرها أقرت العديد من التشريعات للمستهلك الحق في الرجوع في العقد، بعد أن تبين لها عجز المبادئ العامة للعقد، خصوصا نظرية عيوب الرضا بمفهومها التقليدي عن توفير الحماية اللازمة للمستهلك (المطلب الأول) في مثل الأوضاع التي يتعاقد فيها على مبيع لا يستطيع معاينته بالشكل الكافي (المطلب الثاني) بسبب السرعة التي يتم بها

التعاقد (المطلب الثالث).

مما سبق يمكن حصر مبررات إقرار حق المستهلك في الرجوع في العقد بإرادته
المنفردة في:

ـ أولا عجز نظرية عيوب اللإرادة بمفهومها التقليدي عن توفير الحماية اللازمة للمستهلك.

ـ ثانيا عدم المعاينة الكافية المبيع في حالة التعاقد عن بعد,

ـ ثالثا السرعة وعدم التروي التي تبرم بها عقود البيع التي تتم خارج المحلات التجارية.

فبالنسبة للمبرر الأول فإن إرادة المستهلك لا تعتبر معيبة لمجرد احتياجه إلى السلعة أو الخدمة موضوع العقد أو لمجرد توقيعه على عقد معين ما دامت لديه إمكانية اختيار المتعاقد معه ونوع السلعة أو الخدمة محل العقد. وإنما يمكن اعتبارها كذلك في حالة إقدامه على التعاقد بتسرع ودون العلم الكافي بعناصر العقد ومعرفة تامة بمدى ملاءمته لاحتياجاته الحقيقية. وإذا كانت نظرية عيوب الرضا قد وضعت أساسا لحماية رضا المتعاقد، فإن الشروط التي أحاطت بها التشريعات المدنية هذه العيوب حتى تنهض سببا لإبطال العقد، تدفعنا إلى القول بأن الحماية التي توفرها هذه العيوب للمتعاقد لا يمكن أن ترقى إلى الحماية التي يحتاجها المستهلك خصوصا مع التطور الحاصل في مجال أساليب وتقنيات التعاقد. وذلك لسبب بسيط هو أن المفاهيم الجديدة للأطراف المتعاقدة من مستهلك ومورد وعقد

استهلاكي لم يأخذها واضعوا بنود هذه النظريات في الحسبان، لأنها لم تكن مطروحة آنذاك.

7

فلإبطال العقد للغلط يجب أن يتعلق هذا الغلط بصفة جوهرية في الشيء المبيع.
ولإبطاله للتدليس يجب أن يلجأ المتعاقد الآخر إلى استعمال الوسائل الاحتيالية، وأن تكون له نية تضليل المستهلك لدفعه إلى التعاقد. كما أن تحقق عيب الإكراه مشروط بممارسة أحد

المتعاقدين إجبارا على المتعاقد على الآخر لإرغامه على التعاقد.

فيكفي الوقوف عند هذه الشروط دون غيرها للجزم بأن نظرية عيوب الإرادة كما
تحتويها النظرية العامة للعقد لا تجدي نفعا في حماية رضا المستهلك في التعاقد عن بعد أو خارج المحل التجاري. لأن العيب الذي يصيب الإرادة في هذه الحالات لا هو بغلط ولا بتدليس ولا بإكراه، وإنما عيب من نوع آخر، ناتج عن التعاقد بسرعة ودون روية أو تفكير. لأجل ذلك كان لابد من إيجاد آلية قانونية لحماية المستهلك في مثل هذه الفروض تتماشى مع

طبيعة العيب أو الخلل الذي يصيب الإرادة.

وبالنسبة للمبرر الثاني فإن اعتماد أسلوب التعاقد عن بعد أثار مشكلا اقتصاديا وقانونيا.
وإذا كان المشكل الأول يتجلى في القلق والاضطراب الذي تولد لدى محلات التوزيع التي وجدت في مثل هذه الأساليب في التعاقد منافسا قويا، فإن المشكل الثاني يكمن في الخطورة

التي يشكلها ذلك على إرادة المستهلك.

فالمستهلك الذي يقدم على الشراء عن طريق التلفزة أو عبر الهاتف أو عن طريق
الأنترنيت لا يرى المبيع رؤية حقيقية ولا يعاينه عن قرب ولا يعلم به علما كافيا نافيا للجهالة. حيث تعرض البضائع للبيع في مناخ تسطع فيه الأضواء وتغلفه الأصوات وتزينه الألوان، بما يوهم المشتري وهو في منزله بأن السلعة المعروضة للبيع ذات نوعية وجودة

خاصتين، أو تحرضه على سلع غير ضرورية أو غير ذات أولوية.

فوسائل الإشهار التي تصاحب العرض التلفزي أو على شاشة الحاسوب تحول بين
المستهلك وبين الرؤية الحقيقية للمبيع التي يتحقق معها العلم الكافي به. خاصة أن المراد ليس مجرد المشاهدة على شاشة العرض، بل المأمول هو المعاينة في جو يسمح بذلك وهو الفرض غير المتحقق في الحالة الماثلة. فغالبا ما يكون العرض مصحوبا بمشاهدة تؤثر في خيال المتلقي. كأن يكون المعروض حزام تخسيس يستعمله بطل في رياضة كمال الأجسام،

أو بعض مواد التجميل تستعملها بطلة سينمائية….

أمام هذا الواقع أصبح ضروريا حماية إرادة المستهلك من الضغط النفسي والأدبي الذي
يتعرض له، حيث يجد نفسه مندفعا إلى التعاقد بسرعة ومن دون المعاينة الحقيقية التي تنفي الجهالة بالمبيع. وبعد إبرام العقد يكتشف أنه لا يعبر عن إرادته الحقيقية. فيندم على هذا

التصرف لأنه لم ينل حظه من التدبر والتفكير قبل التعاقد.

8

وبخصوص المبرر الثالث فيتعلق بضرورة حماية المستهلك ضد مخاطر التسرع في
التعاقد في البيع خارج المحلات التجارية، أو ما يعرف بالبيع بالمنازل. وهو زيارة المنتج أو البائع أو من يمثلهما لشخص طبيعي في محل إقامته أو مقر عمله ليعرض عليه ما لديه من

سلع وخدمات بغرض حثه على التعاقد.

وهذه الطريقة في توزيع السلع والخدمات وإن كانت في جانب منها توفر للمستهلك
بعض المزايا، فإنها في الجانب الآخر تشكل خطورة كبيرة على حريته وإرادته. فجل الطوافين يعرفون كيف يرغمون المستهلك على الشراء من خلال أساليب الإقناع لديهم، التي تختلط فيها الحقيقة بالكذب. خصوصا الضعفاء من المستهلكين الذي لا يستطيعون المقاومة

أمام إلحاح الباعة فيشترون بدون تفكير أشياء ليست ضرورية أو مكلفة.

فالبائع يهيء نفسه مسبقا بكافة الوسائل والإمكانيات المادية والنفسية التي تؤثر في شخصية المستهلك. خاصة وأن أساليبه تمارس في مواجهة رباة البيوت وفي سلع وخدمات محددة تظهر تيسيرا في أعمالهن المنزلية. حيث يمارس البائع مهمة الإقناع لديه في مواجهة زبونة لا تملك القدرة على الرفض أو تكون هذه القدرة ضعيفة لديها. فعقود البيع بالمنازل تتم بين أطراف في مراكز قانونية غير متساوية، الأمر الذي يستدعي إيجاد حماية خاصة للمستهلك من تعسف واستغلال البائع خاصة وأن هذا النوع من البيع آخذ في الانتشار في مجتمعنا الاستهلاكي. وهو ما يؤدي يقينا إلى تأثر رضا المستهلك سلبا بأمر التعاقد، لأجل ذلك يجب أن تتنامى مبررات حماية المستهلك بالأساليب التي تلائم هذه الصور في تصريف

البضائع والمنتجات، ولن يكون ذلك إلا بتقرير حقه في الرجوع في التعاقد.

وقد استجاب المشرع المغربي لهذه المبررات فأقر في المادة 44 من قانون 80.13 المدرجة ضمن الباب الثالث من هذا القانون والمتعلق بالبيع خارج المحلات حق المستهلك في الرجوع داخل أجل سبعة أيام ابتداء من تاريخ الطلبية أو الالتزام بالشراء، عن طريق إرسال الاستمارة القابلة للاقتطاع من العقد بواسطة أية وسيلة تثبت التوصل. واعتبر حق

المستهلك في الرجوع من النظام العام بموجب الفقرة الثانية من نفس المادة.

صحيح أن لهذا الحق مساس ببعض المبادئ الراسخة والتي لها من الثقل القانوني ما لا ينبغي معه إهمالها أو التقليل من قيمتها، كالعقد شريعة المتعاقدين، والقوة الملزمة للعقد، والحق المكتسب واستقرار المعاملات وغيرها. لكن لما عظم محل الحماية وهو الرضا باعتباره العنصر الجوهري في التعاقد، كان لا بد من إيجاد آلية تشريعية يتحقق معها نوع من المساواة في المراكز القانونية للأطراف المتعاقدة وتعيد التوازن لو نسبيا للعقد

الاستهلاكي خصوصا الذي يتم عن بعد أو خارج المحلات التجارية.

9

وعندما نقول بأن هذه العقود مقرونة بخيار الرجوع فهذا لا يعني أن كل عقد تم عن بعد أو خارج المحل التجاري ينقض ويحل، وإنما هي عقود محدودة التي يحس فيها المستهلك بعدم استيثاق رضائه بالعقد بسبب الظروف التي صاحبت عملية التعاقد. أما غالبية العقود

فإنها تنفذ، وإلا لما استمرت هذه الطرق والأساليب في تسويق المنتوجات والخدمات.

عن Younestc

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.