خيار الرجوع في العقد كآلية لحماية المستهلك في العقود المبرمة عن بعد

خيار الرجوع في العقد كآلية لحماية المستهلك في العقود المبرمة عن بعد PDF

لقد كشف التقدم التكنولوجي الذي أصبح يرافق إنتاج السلع وتقديم الخدمات، بسبب
الثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي اكتسحت كل المجالات، وأثرت بشكل جلي على كل مناحي الحياة المعاصرة، على أن أهم ما يحتاجه المستهلك في المرحلة السابقة على إبرام عقد استهلاكي، هو مده بالقدر الكافي من المعلومات والبيانات بشأن السلعة أو الخدمة محل التعاقد حتى يستطيع الوقوف على حقيقة مصالحه. ولذلك أثر إيجابي في إعادة التوازن للعلاقة التعاقدية التي تربط بين طرفين غير متكافئين فيما يتعلق بالعلم والإحاطة بهذه

البيانات والمعلومات.

لأجل ذلك أفرت العديد من التشريعات المدنية التزاما جديدا على عاتق المهني هو التزامه بإعلام المتعاقد الأقل خبرة ودراية بالمضمون العقدي، وخصصت له مكانة مهمة ضمن مقتضياتها المهتمة بحماية المستهلك2. انطلاقا من مسلمة أساسية تكمن في أن ضمان هذا الحق للمستهلك يعتبر من المكونات الأساسية لدعم نظم حماية المستهلك وتوعيته بحقوقه

وكيفية الدفاع عنها واستفادته منها.

إلا أن عدم الوفاء بهذا الالتزام بشكل كاف من شأنه أن يظل معه رضا المستهلك بالعقد غير سليم وغير صحيح، ويمتد ذلك إلى مرحلة ما بعد التعاقد، فيجد المستهلك نفسه ملزما بعقد لا يستجيب لاحتياجاته الحقيقية، أو يتجاوز حدود إمكانياته المادية. فكان لابد من إيجاد آلية قانونية تعالج هذا الوضع غير السليم وتعيد نوعا من التوازن لعلاقة تعاقدية تعتبر في

الأصل غير متوازنة.

وبالفعل فقد اهتدت جل التشريعات المهتمة بمادة حماية المستهلك إلى إقرار حق هذا
الأخير في نقض العقد والرجوع فيه بإرادة منفردة ووفق شروط محددة3. فكان الهدف من ثبوت هذا الحق هو حماية رضا المستهلك وتنقيته مما قد يعلق به من عوامل المجازفة التي تؤدي إلى الندم عن طريق منحه مهلة إضافية للتروي والتدبر في أمر العقد الذي أبرمه، درءا للأخطار التي قد تلحق به كأثر لتسرعه في التعاقد، خاصة مع ما تتميز به المعاملات

الحالية من وسائل جذب وإغراء4.

ورغم ما لهذا الحق من أثر على هدم مبدأ القوة الملزمة للعقد5، والعبث بوظيفته الاجتماعية، فلا أحد ينكر أهميته في حماية رضا المستهلك، الذي يجد نفسه منجذبا للتطور المتسارع لوسائل الاتصال وطرق التسويق عن بعد، التي توفر له الجهد والوقت ونفقات التنقل وتمكنه من فرص التسوق من العديد من المدن الوطنية إن لم نقل من العديد من دول العالم وهو في بيته أو مقر عمله. فكان لهذه السرعة في إبرام العقود الاستهلاكية أثرها

السلبي في حرمان المستهلك من فرصة إصدار قرارات مستنيرة.

فغالبا ما يبني المستهلك قراره بالتعاقد عن بعد، أو ما يعرف بعقود المسافة، على وصف السلعة وصورتها المعروضة على الأنترنيت. والفكرة المتاحة من مجرد الأوصاف أو من صورة السلعة على شاشة الحاسوب قد لا تعطي المستهلك تصورا كافيا يسمح له بإصدار قراره بناء على إرادة واعية مستنيرة، ولا إعطاء الحكم الصحيح الدقيق عن السلعة. لأن الفكرة المستقاة من هذه الصورة عادة ما تكون محاطة بكثير من وسائل الدعاية والإغراء المبالغ فيهما، مما قد يؤدي به إلى الندم على الدخول في مثل هذه العلاقات التعاقدية، والرغبة

في العدول عنها بأقل الخسائر الممكنة6.

3ـ لقد تناول القانون الفرنسي هذا الحق بموجب قانون رقم 27.6 لسنة 87.6 المتلق بالبيع بالمنازل ( Le démarchage à domicile ). وكذلك بموجب قانون رقم 68711 الصادر في 2 يناير 8711 الخاص بالبيع عبر المسافات وعن طريق التلفزيون. كما قرر القانون الأنجليزي حق المشتري في العدول بموجب القانون الصادر سنة 87.4( The consumer credit ACT ). كما أقره المشرع الألماني بموجب قانونه الصادر سنة 87.4 والخاص بالبيع بالتقسيط. وقانون الولايات المتحدة الأمريكية لسنة 8725. والقانون الكندي لسنة 87.1. أشار لهذه القوانين خالد ممدوح إبراهيم. م س.ص: 665 و662.

4ـ إبراهيم الدسوقي أبو الليل. الرجوع في التعاقد كوسيلة لحماية الرضا. دراسة لفكرة العقد غير اللازم في الشريعة الإسلامية وتطبيقاته في القانون الوضعي. مجلة المحامي الكويتية. السنة الثانية. الأعداد يولوزـ غشت وسبتمبر السنة 8715. ص:.8. ـ أحمد محمد محمد الرفاعي.الحماية المدنية للمستهلك إزاء المضمون العقدي. دار النهضة العربية. 8774.ص: 15.

5ـ يجد هذا المبدأ أساسه في الفصل 632 ق ل ع الذي ينص على ما يلي:” الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا بضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون”. ويعبر عن هذا المبدأ أيضا بالعقد شريعة المتعاقدين، ويفيد أن الالتزام الناشئ عن العقد يعادل في قوته الالتزام الناشئ عن القانون. وبما أن الفرد لا يجوز له أن يتحلل من التزام قانوني فهو كذلك لا يجوز له التحلل من التزام تعاقدي. نزهة الخلدي. الموجز في النظرية العامة للالتزامات. مصادر الالتزام. العقد . الطبعة الأولى. 6283. مطبعة تطوان. ص: 866.

6ـ أيمن ساعدة وعلاء خصاونة.خيار المستهلك بالرجوع في البيوع المنزلية وبيوع المسافة. مجلة القضاء المدني. العدد 4 الخاص بحماية المستهلك. ص: 24.

2

فماذا نقصد بخيار الرجوع في العقد؟ وما هي حدود وشروط ممارسته؟ وما هي فلسفة المشرع من إقرار؟

مفهو خيار الرجوع في العقد.

لغة الخيار هو طلب خير الأمرين وأفضلهما، ومنه الاستخارة أي طلب الخيرة. وخيره بين الشيئين أي فوض إليه الخيار. وجاء في المصباح المنير أن الخيار اسم من الاختيار، وخيرته بين الشيئين فوضت إليه الاختيار فاختار أحدهما وتخيره.

ومن الناحية الاصطلاحية عرفه بعض الفقه بأنه سلطة أحد المتعاقدين بالانفراد بنقض
العقد والتحلل منه دون توقف ذلك على ّإرادة الطرف الآخر. ويمكن تعريفه بأنه تلك الرخصة القانونية التي يحق بموجبها للمستهلك دون المهني نقض العقد إما بالتحلل من محله

نهائيا واسترداد ما دفعه من مقابل أو باستبداله بآخر مع الإبقاء على العقد قائما.

والعدول عن العقد حق شخصي مقرر لمستهلك يخضع لمطلق تقديره ويمارسه وفقا لما
يراه محققا لمصالحه، فهو ليس ملزما بإبداء أسباب معينة لهذا العدول. فهو حق ثابت للمستهلك حتى وإن لم يخل المتعاقد الآخر بالتزاماته، يمارسه بإرادته المنفردة ودون حاجة

للجوء إلى القضاء.

ومن طبيعته أنه حق مؤقت. فالغاية من إقرار هذا الحق تتنافى مع جعله حقا دائما
للمستهلك حتى لا يبقى معه المتعاقد الآخر مرتابا بين جواز العقد أو انحلاله لمدة غير محددة، وهو ما يؤثر سلبا على استقرار المعاملات. لذلك فهو حق مؤقت ينقضي باستعماله

أو بمرور المدة المحددة لذلك، وهي حسب جل التشريعات سبعة أيام من تاريخ التسليم.

وحق المستهلك في ممارسة هذا الخيار يعتبر من النظام العام طبقا للمادة 44 من القانون رقم 80.13 المتعلقة بالعقود المبرمة عن بعد، والمادة 44 من نفس القانون المتعلقة بالبيع خارج المحلات التجارية. وتبعا لذلك لا يجوز للمستهلك التنازل عنه، ويقع باطلا وعديم الأثر كل شرط يلغيه أو يضيق من حدود ممارسته، لأن الهدف من إقراره هو حماية

الطرف الضعيف، وهو غالبا ما يتعلق بالنظام العام الحمائي.

وحق الرجوع بهذا المعنى ووفقا لهذه الطبيعة القانونية هو الذي ينسجم مع خيار الرجوع الذي يجد مصدره في النص القانوني (الرجوع القانوني في العقد) وهو المقرر لحماية فئة محددة من المتعاقدين (المستهلكين) وبالنسبة لعقود معينة (عقود الاستهلاك عن بعد أو خارج المحلات التجارية). حيث تقتضي مبادئ العدالة التعاقدية حماية هذه الفئة من

مخاطر هذا النوع من المعاملات رغم ما يشكله ذلك من هدم لمبدأ القوة الملزمة للعقد.

بقي الموضع PDF

 

 

عن safae wazani

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.