دور رئيس المحكمة في صعوبات المقاولة على ضوء قانون 73.17 – عبد الرحيم حساني – أنس العنكود

دور رئيس المحكمة في صعوبات المقاولة على ضوء قانون 73.17

عبد الرحيم حسانيأنس العنكود

المقدمة

 

لقد عرف العالم المعاصر تحولات عميقة، مست مختلف جوانب الحياة سواء الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، نتج عنها بروز مفاهيم جديدة في مقدمتها مفهوم العولمة و ما يرتبط بها من مفاهيم أخرى كالخوصصة و اقتصاد السوق و رفع الحواجز الجمركية، أسست لمرحلة دولية تقوم على السوق الحر كأداة لوضع قواعد التوازن بين البلدان وانخراط معظم الدول في المنظومة الجديدة .

وقد اختار المغرب بدوره خيار الاندماج في النظام العالمي الجديد والتعامل في ضله، وعيا بالتأثيرات السلبية للعولمة حيث عمل على تقوية أجهزته ومؤسساته وتأهيل سياساته وتشريعاتها الاقتصادية من أجل حصد إيجابيات هذه المرحلة وتجنب سلبياتها قدر الإمكان والتكيف مع المتغيرات الجديدة. ومن ضمن هذه التدابير التعديل والتجديد الذي عرفته الترسانة القانونية المغربية أواخر القرن العشرين، والتي يبقى أهمها تعديل سنة 1996 الذي أعلن عن ميلاد مدونة التجارة بمقتضى القانون رقم 15-95[1] المتعلق بمدونة التجارة و الذي عرف مجموعة من التعديلات كان أهمها التعديل الذي جاء به  القانون رقم 17-73[2]،  الذي يندرج ضمن الإصلاحات الكبرى التي ينهجها المغرب لإقرار مناخ محفز على الاستثمار وتأهيل المنظومة القانونية المغربية للأعمال، والرفع من النجاعة القضائية بغيه خلق بيئة قانونية وقضائية أمنة قادرة على جعل المغرب منصة اقتصادية مهمة[3].

يعتبر قانون صعوبات المقاولة مفهوما حديث النشأة ذلك أن هذا القانون جاء ليحل محل قانون الإفلاس، الذي كان يرتكز على معاقبة التاجر المفلس، وجاء قانون صعوبات المقاولة بفلسفة معالجة الصعوبات التي تعترض حياة المقاولة سواء بإقرارها لمساطر الوقاية من هذه الصعوبات أو من خلال تصدي لها ومعالجتها[4].

ولعل أهم ما يميز نظام صعوبات المقاولة هو الطابع الوقائي حيث جاء بمجموعة من المساطر الوقائية المبنية على السرية وعلى وجوب التدخل السريع للأجهزة الداخلية للشركة أو للتاجر أو رئيس المحكمة الابتدائية التجارية أو المحكمة الابتدائية التجارية من أجل منع تلك الصعوبات من الاستفحال، فهي مساطر ثم وضعها للوقاية من وقوع الصعوبة في حد ذاتها، وبالتالي فإن أهم ما يميز مساطر صعوبات المقاولة هو النظرة الاستباقية من خلال البعد الحمائي الذي يروم المحافظة على المقاولات الاقتصادية ما أمكن، وتفادي انهيارها عن طريق الدولة وسلوك أسلوب التعاون والتكافل لاستشعار، ورصد بوادر الصعوبات والعوائق قبل أن تحل وتعصف بالموازنة المالية للمقاولة، وهو مقتضى جديد لم يكن له وجود في النظام القديم، حيث يبقى أهم مقتضى تبناه الكتاب الخامس تضمينه لمساطر الوقاية من الصعوبات باعتبارها مجموعة من القواعد القانونية تروم تجنيب المقاولة من الوقوع  في صعوبات التي من شأنها التأثير على السير الطبيعي للمقاولة.

وقد جاءت هذه التعديلات نظرا لما أصبحت تحتله المقاولة من أهمية حيث تعتبر فضاء اقتصاديا لمعاملات والتفاعلات التجارية واقتصادية وقانونية متشعبة ومعبرة عن تعدد المصالح التي تعتمل في هذا الفضاء وعلى امتداد جسور تواصل المقاولة مع محيطها، وتبدأ هذه المصالح بحق الشركاء والمساهمين في كسب الأرباح والمنافع وخلق الثروة، وتاليها المصلحة الاجتماعية للعمال واعتبارات السلم الاجتماعي الكامنة ورائها، وأيضا تحقيق المصلحة العامة عبر الزيادة في الثروة الوطنية، وإسناد جهود المجتمع في توفير مناصب الشغل وتحسين الوضع الاجتماعي للطبقة النشيطة والمساهمة في الأمن المالي للدولة[5] وانتهاء بازدهار المعاملات وتنشيط الدورة الاقتصادية[6].

لذلك لم يعد دور القضاء في معالجة صعوبات المقاولة يقتصر على فض المنازعات بين الأطراف من منظور الخصومة التقليدية “قضاء الطلب ” ، وإنما أصبح يمارس قضاء اقتصاديا من أجل حماية المصلحة العامة الاقتصادية و بالنتيجة لذلك المصلحة الاجتماعية “قضاء المبادرة”. وهذا الدور يعكسه بشدة الكتاب الخامس من مدونة التجارة، حيث أضحى التدخل القضائي بقوة القانون سواء كان قضاء الموضوع، أو قضاء رئاسي وهو الذي يهمنا في موضوعنا. فهو يحضى بأدوار عديدة في مساطر الوقاية الخارجية بالأساس، أما فيما يخص باقي المساطر فليس له إلا دور تانوي إلى جانب محكمة الموضوع التي تكون هي المتدخل الأساسي لذلك سوف نركز على مسطرة الوقاية الخارجية. وهذا الدور تطور بتعاقب التعديلات التي شملت الكتاب الخامس من مدونة التجارة من نظام الإفلاس الذي لم يكن له دور إيجابي، إلى قانون 75.17 الذي وسع من اختصاصاته .

يكتسي موضوع دور رئيس المحكمة التجارية في مساطر صعوبات المقاولة أهمية بالغة باعتباره يشكل مظهر من مظاهر التحول الذي عرفه مناخ الأعمال في المغرب منذ أواخر القرن العشرين والذي أرخى بظلاله على تحول دور المؤسسة القضائية في ميدان الأعمال خاصة رئيس المحكمة التجارية الذي أصبح يؤدي ادوار جوهرية في مساطر صعوبات المقاولة وبالتالي أصبح طرف رئيسي في سير هذه المساطر.

 

لذلك تبقى الإشكالية الأساسية :

ما مدى نجاعة التدخل الإقتصادي لرئيس المحكمة التجارية في مساطر صعوبات المقاولة؟

للإجابة على الإشكالية أعلاه نقترح مقاربة الموضوع وفق تصميم التالي:

 

المطلب الأول: الدور الإقتصادي لرئيس المحكمة في كشف الصعوبات التي تعاني منها المقاولة

المطلب الثاني : الدور الإقتصادي لرئيس المحكمة في تذليل الصعوبات التي تعاني منها المقاولة
المطلب الأول: دور  رئيس المحكمة في كشف الصعوبات التي تعاني منها المقاولة

     تعتبر مساطر الوقاية الخارجية من صعوبات المقاولة هي المجال الرئيسي لتدخل رئيس المحكمة التجارية، له صلاحية تحريكها بعد إخباره إما من طرف مراقب الحسابات أو من رئيس المقاولة  أو بتدخل منه إذا تبين له من كل تصرف أو من كل وثيقة أو إجراء أن مقاولة  تواجه صعوبات من شانها أن تخل باستمرارية استغلالها.[7]

ويؤدي رئيس المحكمة التجارية في هذه المرحلة أي في مرحلة كشف الصعوبات التي تعاني منها المقاولة مجموعة من الأدوار والمهمات تتجلى في الدور الاستعلامي حول وضعية المقاولة الفقرة الأولى واستدعاء رئيس المقاولة لتقديم التوضيح حول الصعوبات التي تعاني منها المقاولة الفقرة الثانية

 

الفقرة الأولى : الوظيفة الاستعلامية لرئيس المحكمة

      كما هو معلوم فإن الإجراءات المرتبطة بالوقاية الخارجية تتميز بالبساطة والمرونة إذ أن الأمر يتعلق بمسطرة غير تنازعية وتعتمد على السرعة لتدليل الصعوبات حتى تعود المقاولة إلى عافيتها الاقتصادية عموما، وتنمحي تبعا لذلك كل الآثار التي خلفتها تلك الوقائع، كما يجب أن تتأسس تلك المسطرة على السرية، لان من شأن شيوع خبر تعرضها للازمات من خلال تلك الواقع أن يهدد وضعها الائتماني[8].

أولا: سلطة الاطلاع والتقصي

 

وبخصوص دور رئيس المحكمة الاستعلامي فإنه يتجلى من خلال السلطات التي  منحها له المشرع بمقتضيات المادة 549 حيث تفتح مسطرة الوقاية الخارجية أمام رئيس المحكمة كلما تبين له من عقد أو وثيقة أو إجراء أن مقاولة دون أن تكون في وضعية التوقف عن الدفع، تعاني من صعوبات قانونية أو اقتصادية آو مالية أو اجتماعية أو لها حاجيات لا يمكن تغطيتها  بواسطة تمويل يناسب إمكانات المقاولة.

كما يتجلى الدور الاستعلامي حول وضعية المقاولة لرئيس المحكمة التجارية في هذه المرحلة على العديد من المستويات أولها تتمثل في جمع المعلومات التي تعترض المقاولة، حيث أن بإمكانه على الرغم من أي مقتضيات تشريعية مخالفة أن يطلع على المعلومات التي من شأنها أن تعطيه صورة صحيحة عن الوضعية الاقتصادية والمالية عن طريق مراقب الحسابات، إن وجد، والإدارات أو الهيئات العمومية أو ممثل الأجراء، أو باقي أشخاص القانون العام أو مؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها أو الهيئات المالية أو أي جهة أخرى.

       ولا تخفى على أحد أهمية هذه السلطة الممنوحة لرئيس المحكمة ليس فقط فيما يمكن  اعتباره  بمثابة سلطة للتحقيق [9]حول وضعية المقاولة المتعثرة والتي لم تتوقف عن الدفع، بل يعتبر مظهر من مظاهر المنعرج الكبير الذي عرفه مجال الأعمال والذي يشكل هاجس حماية الاقتصاد الوطني من خلال حماية المقاولة كمشروع اقتصادي أهم أسس وفلسفة هذا التحول.

هكذا فإن هاجس المشرع في إنقاذ المقاولة جعله  يمنح لرئيس المحكمة التجارية إمكانية طلب معلومات حول المقاولة من مجموعة من الجهات كالأبناك المتعاملة مع المقاولة، إذ يتسنى لرئيس المحكمة معرفة وضعية حساباتها ومالها وما عليها من ديون،  ولا يمكن الأبناك مواجهة رئيس المحكمة بالسر المهني استنادا لنص المادة 548 وكذا المادة 552 وذلك حينما استعمل المشرع عبارات على الرغم من أي مقتضيات تشريعية مخالفة، ومن جهة أخرى يمكن لرئيس المحكمة التجارية أن يطلب من الأبناك المتعاملة مع المقاولة إبداء رأيها حول الصعوبات التي تواجهها وكذا قدرتها في الاستمرار في نشاطها، ذلك أن أنقادها يهم  حتى الابناك كونها دائنا للمقاولة[10].

كما يمكن رئيس المحكمة أيضا طلب المعلومات من إدارة الضرائب قصد التقصي عن الوضعية الجبائية للمقاولة والمقصود هنا بالوضعية الجبائية كل من الضريبة القيمة المضافة أو الضريبة العامة للشركات إن كانت المقاولة شركة تجارية وذلك للوقوف على طبيعة العلاقة التي تربط المقاولة بالإدارة الضريبية.

كما لرئيس المحكمة أيضا في إطار أداء  المهمة الاستطلاعية المخولة له من طرف المشرع أن يطلب كذلك من ممثل العمال كل ما من شأنه أن يوضح  رؤيته حول وضعية المقاولة لا سيما المعلومات المتعلقة بأداء الأجور و كذا الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وحتى ظروف عملهم، كما له صلاحية جمع المعلومات حتى من طرف المتعاملين مع المقاولة ويعتبر هذا المقتضى بمثابة إذن من طرف المشرع لإطلاق العنان لرئيس المحكمة للبحث وجمع المعلومات بكل حرية وبدون أي قيد من طرف المتعاملين مع المقاولة.

 

ثانيا : تعين خبير

         انطلاقا من مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 552 فإنه يمكن لرئيس المحكمة، علاوة على السلطات المخولة له بمقتضى الفقرة السابقة تكليف خبير لإعداد تقرير عن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والمالية للمقاولة والحصول من مؤسسات الاتمان والهيئات المعتبرة في حكمها أو الهيآت المالية، وذلك بالرغم من أي مقتضى تشريعي مخالف، على كل المعلومات التي من شأنها إعطاء صورة صحيحة عن الوضعية الاقتصادية والمالية للمقاولة.

هكذا نجد أن المشرع قد منح  لرئيس المحكمة التجارية إمكانية تعين خبير يكلفه بإعداد التقرير عن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمقاولة والحصول من مؤسسات الاتمان والمؤسسات المشار إليها أعلاه على المعلومات التي من شأنها تكوين صورة أكثر دقة عن وضعية المقاولة لتقدير كيفية التعامل معها، بل تعتمد عليها المحكمة في حالة توقفها عن الدفع لإعمال الخيار المناسب[11]. لا يمكن تبعا لذلك مواجهته بالسر المهني بأي حال من الأحوال.

وهكذا فإن منح هذه السلطة لرئيس المحكمة التجارية قد فرضه مجموعة من الاعتبارات تتجلى فيما تتسم به المجالات المرتبطة بالمقاولة من تعقيد وتشعب خاصة في المجال المحاسباتي والمعاملات التي تربطها بمؤسسات وهيئات أخرى والتي تتطلب الدراية والخبرة في التعامل معها والوقوف على مضامينها وتقديرها، كما يتجلى الاعتبار الثاني في كثرة المهام المنوطة برئيس المحكمة والتي لا يمكن في ضوئها إعطاء الوقت الكافي للوقوف على الصعوبات التي تعاني منها المقاولة.

      ولا شك أن لهذه المرحلة أهمية كبيرة، إذ تسمح بالتشخيص الدقيق للوضعية الحقيقية للمقاولة، كما تساعد رئيس المحكمة التجارية في اتخاذ القرار المناسب باعتبار أن الصعوبات التي تعترض سبل المقاولة المعنية هي على مستويات ودرجات مختلفة فمنها صعوبات ذات طبيعة اقتصادية ومنها ما يصنف ضمن الصعوبات القانونية أو الاجتماعية أو التدبيرية أو تمويلية. مما يؤثر سلبا على السير العادي للمقاولة . كما تشكل هذه المرحلة الاستعلامية لرئيس المحكمة التجارية مرحلة خطيرة على مستقبل المقاولة، ذلك أن وصول معلومات غير صحيحة بالمرة أو وصولها متأخرة من شأنه أن يجعل تدخل رئيس المحكمة عديم الجدوى مادام أن المقاولة أضحت مهددة بالتوقف[12].

الفقرة الثانية: استدعاء رئيس المقاولة

إن أول إجراء من الإجراءات التي يقوم بها رئيس المحكمة التجارية في إطار  الوقاية الخارجية هو الاستماع لرئيس المقاولة، حيث تنص المادة 549 من م ت في الفقرة الثانية على أنه “يستدعي رئيس المحكمة فورا إلى مكتبه، رئيس المقاولة إما تلقائيا أو  بناء على طلب من هذا الأخير يعرض فيه نوعية الصعوبات التي من شأنها أن تخل باستمرارية الاستغلال وكذا وسائل مواجهتها ، وذلك قصد تقديم توضيحات في الموضوع والنظر في الإجراءات الكفيلة بتصحيح وضعية المقاولة ”

إن الاستماع لرئيس المقاولة يتم إما بشكل تلقائي أولا أو بناء على طلب ثانيا

أولا: الاستماع التلقائي لرئيس المقاولة

انطلاقا من مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 549 فإن رئيس المحكمة التجارية يملك سلطة استدعاء ريس المقاولة لتقديم توضيحات والنظر في الاجراءات الكفيلة بتصحيح وضعية المقاولة، حيث جاء في المادة أعلاه “يستدعي رئيس المحكمة فورا إلى مكتبه رئيس المقاولة إما تلقائيا… وذلك قصد تقديم توضيحاته في الموضوع والنظر في الإجراءات الكفيلة بتصحيح وضعية المقاولة”.

ومما يستفاد من هذه المادة أن رئيس المحكمة يتعين عليه أن يعمل على استدعاء رئيس المقاولة” الشخص الذاتي المدين أو الممثل القانوني للشخص الاعتباري المدين” المعني بالأمر بمجرد  فتح مسطرة الوقاية الخارجية سواء من تلقاء نفسه أو بإخبار من طرف مراقب الحسابات أو رئيس المقاولة أو أي شريك فورا على مكتبه.

غير أن هناك مجموعة من الفراغات التي لم يتم الإجابة عنها من طرف المشرع والتي تتجلى في عدم تحديد أجل استدعاء رئيس المحكمة لرئيس المقاولة، وكذلك الجزاء المترتب على عدم مثول هذا الأخير للأمر بالاستدعاء الصادر من طرف رئيس المحكمة.

وجوابا على هذه التساؤلات فان أمام الطابع ألاستعجالي الذي يميز هذه المسطرة فان هذا الاستدعاء يجب أن يتم فورا وفي وقت قصير دون تأخير لتفادي تدهور وضعيه المقاولة[13] أما بخصوص جزاء عدم امتثال رئيس المقاولة لاستدعاء رئيس المحكمة فإن بعض الفقه[14] يذهب إلى أن رئيس المحكمة لا يملك أي سلطة على رئيس المقاولة اللهم إلا إذا لاحظ أن المقاومة متوقفة عن الدفع حيث سيحيل الملف في هذه الحالة على قضاء الموضوع للنطق بفتح المسطرة القضائية للمعالجة.
ثانيا: الاستدعاء بناء على طلب

إن هذا الإجراء يجد أساسه القانون في مقتضيات المادة 549 حيث تنص على انه “يستدعي رئيس المحكمة فورا إلى مكتبه رئيس المقاولة إما تلقائيا أو بناء على طلب من هذا الأخير يعرض فيه نوعية الصعوبات التي من شانها أن تخل باستمرارية الاستغلال وكذا وسائل مواجهتها”.

حيث مما لا شك فيه أن رئيس المقاولة هو الجهة المسؤولة مبدئيا على تدليل الصعوبات التي تعترض المقاولة، وإذا لم يعمل على تصحيح الاختلال الذي من إن يؤثر سلبا على استغلالها تلقائيا، يبلغ إليه مراقب الحسابات إن وجد أو أي شريك في الشركة الوقائع أو الصعوبات خاصة ذات الطبيعة القانونية والاقتصادية أو المالية أو الاجتماعية داخل أجل ثمانية أيام من اكتشافه لها. وإذا لم يستجيب رئيس المقاولة خلال 15 يوما من تاريخ استلام الإشعار أو لم يتوصل شخصيا أوبعد تداول مجلس الإدارة أو مجلس الرقابة إلى نتيجة مفيدة وجب عليه العمل على عقد الجمعية العامة داخل اجل 15 يوما قصد التداول في شان ذلك بعد استماع بعد الاستماع لتقرير مراقب الحسابات إن وجد، وفي حالة عدم تداول الجمعية في الموضوع أو إذا لوحظ أن الاستمرارية مازالت مختلة رغم القرار المتخذ من طرفها، اخبر رئيس المحكمة بذلك من طرف مراقب الحسابات أو رئيس المقاولة أو أي شريك.

يظهر مما سبق وباعتبار أن رئيس المقاولة هو الجهة المعنية بتدليل الصعوبات التي تعاني منها المقاولة في مرحلة الوقاية الداخلية فانه سيكون ملما بجل الصعوبات التي تعاني منها المقاولة، وبالتالي سيكون استدعائه من طرف رئيس المحكمة مفيدا ومن شانه توضيح طبيعة هذه الصعوبات ويساعد رئيس المحكمة في وضع أصبعه على مكان الخلل.

 المطلب الثاني : دور رئيس المحكمة في تذليل الصعوبات التي تعاني منها المقاولة

 

في إطار الأدوار الجديدة لرئيس المحكمة التجارية ،أصبح يحظى هذا الأخير بمجموعة من الصلاحيات في الكتاب الخامس من مدونة التجارة، من أجل حماية مصلحة عامة جديدة التي هي المصلحة الإقتصادية، فرئيس المحكمة التجارية يقوم بدور مهم في مرحلة الوقاية الخارجية التي تهدف إلى وقاية المقاولة من الصعوبات التي تمر منها قبل أن تتوقف عن دفع ديونها. عن طريق قيام رئيس المحكمة بمجموعة من التعيينات، لأجهزة خارجية عن المقاولة ، هدفها هو تدليل الصعوبات التي تعترض المقاولة. وفي هذا المطلب سوف نتحدث عن دور رئيس المحكمة في مسطرة تعيين الوكيل الخاص و كذلك المصالحة التي كانت تسمى في ظل مدونة التجارة 1996 بالصلح الودي.

 

الفقرة الأولى : دور رئيس المحكمة في تخفيف الاعتراضات من خلال مسطرة الوكيل الخاص

بعد قيام رئيس المحكمة بالتقصي حول وضعية المقولة التي تعاني من صعوبات و تكوين صورة واضحة حول نوعية تلك الصعوبات ، و الطرق المناسبة لمعالجتها ، يمكنه أن يقوم بتعيين وكيل الخاص من أجل تخفيف الاعتراضات المحتملة التي قد تأثر على استمرارية المقاولة ، وذلك ما تنص عليه المادة 549 من مدونة التجارة “..يمكن لرئيس المحكمة ، إما تعيين وكيل خاص و تكليفه بمهمة التدخل لتخفيف الاعتراضات التي تعاني منها المقاولة..”

 

أولا : سلطة تعيين الوكيل الخاص

بعد أن تتضح الرؤية أمام رئيس المحكمة حول وضعية المقاولة من خلال استدعاء رئيس المقاولة وجمع المعلومات ، يمكن رئيس المقاولة تعيين الوكيل الخاص كلما تبين له أن صعوبات المقاولة قابلة لدليل بفضل تدخل أحد الأغيار ألا وهو الوكيل الخاص الذي تناط به مهمة تخفيف الاعتراضات المحتملة التي قد تؤثر على وضعية المقاولة.

و تنص المادة 550 أنه ” إذا تبين أن الصعوبات قابلة لتذليل بفضل تدخل أحد الأغيار يكون بمقدوره تخفيف الاعتراضات المحتملة ، اجتماعية كانت أو بين الشركاء أو تلك الخاصة بالمتعاملين مع المقاولة ، وكل الصعوبات التي من شأنها أن تخل باستمرارية استغلال المقاولة ، عينه رئيس المحكمة بصفة وكيل خاص وكلفه بمهمة وحدد له مدة لإنجازها “[15] .

وتحظـى المـادة 550 م.ت بأهمية بالغة إذ تكشـف عـن التـوجـه الجديـد للقانـون الـمـغـربـي بخصـوص الأدوار الجديـدة الموكولة لرئيس المحكمة ، إذ وبعـد جـعـلـه فـي قلـب الأزمـات الـتي قـد تـمـر منـهـا المقاولات التابعة لنفوذ اختصاصه مـن خـلال مـا يـفـترض فـيـه مـن اسـتعـلام حـول وضعيتها ، وكذلك الاستماع إلى رؤسائها إمـا بشكل مباشـر أو بعـد استدعائهم أو بعد تبليغه من قبل مراقب الحسابات أو أي جهة أخـرى ؛ فإنـه يتعين عليه بعد كل ذلك أن ينخرط بشكل قوي وفعال في مسلسل البحث عن حل لتلك الأزمات وتذليل ممكن لتلـك الصـعـوبـات مـن خـلال الاعتراف لـه بـحـق تـعـيين أحد الأغيار بصفته وكيلا خاصا ، بمهام محددة وضمن أجال يحددها له الرئيس [16].

وعلى الرغم من الصياغة العامة التي جاءت بـهـا المـادة 550 م.ت ، فـإن رئيس المحكمة لا يمكنه تعيين الوكيـل الخـاص ، إلا إذا تبين لـه وبوضوح أن ثمة مؤشرات جدية لتذليل الصعوبات التي قـادت المقاولة إلى المحكمة ، وهذا يتطلب من الرئيس أن يلمـس اسـتعدادا جـديـا مـن قـبـل رئيس المقاولة لتصحيح وضعية مقاولتـه ، وأن تـدخل الوكيـل الخـاص سيساعد على تخفيف الاعتراضات المحتملة ، والتي تتمثل بشكـل عـام حـول مـوقـف الدائنين مـن مـنـح أجال جـديـدة لاستخلاص ديونهم أو التخفيض منها ، وكذلك ما يتعلق بالمتعاملين مع المقاولة فيمـا يخـص التزويد بالمواد الأولية أو الخدمات.

 

ثانيا : تحديد مهمة وأجل الوكيل الخاص
وهكذا تقتصر مهمة الوكيل الخاص على إعداد تقرير حول وضعية المقاولة من شأنه مساعدة رئيس المحكمة على إنقاذ المقاولة و تصحيح وضعيتها ، ويحدد رئيس المحكمة مهمة الوكيل حسب نوع الصعوبات إما التفاوض مع العمال لحل نزاعات الشغل أو إيقاف إضرابات مستمرة ، أو الاتصال بالمؤسسة البنكية أو المالية أو الممولين أو الموردين قصد تخفیف اعتراضاتهم أو التفاوض من أجل منح أجال جديدة للمقاولة أو التخفيف من الديون أو إدخال تعديلات على النظام الأساسي للمقاولة قصد فتح الباب للمستثمرين الجدد .

وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من الصياغة العامة للمادة 550 من م.ت فإن رئيس المحكمة لا يمكنه تعيين الوكيل الخاص إلا إذا تبين له بوضوح أن ثمة مؤشرات جدية لتذليل الصعوبات [17].

بخصوص أجل مهمة الوكيل الخاص فالمادة 550 من م ت لا تقصر مهمة رئيس المحكمة في تحديد مهمة الوكيل بل تمتد كذلك إلى تحديد أجل لهذه المهمة ، وهذا الأجل يخضع للسلطة التقديرية لرئيس المحكمة.

وإذا كان المشرع لم يحـدد للوكيـل الخـاص أجلا محددا لإنجاز مهمته فلأنه لا يترتب على تعيينه أي أثر قانوني سواء في مواجهة المدين أو الدائنين كل ما في الأمر أن دوره ينحصر في إعـداد تقرير لـرئيس المحكمة يضعه من خلاله في الصورة الكاملة من حيث إمكانية تدليل تلك الصعوبات مـن عـدمـه ، حتـى يـقـرر هـذا الأخير الاستمرار في مسطرة الوقاية الخارجية أو التوقف عند هذا الحد .

وعلى الرغم من سكوت النص ، يمكن لرئيس المحكمة تجديد مهمة الوكيل الخاص لفترة أخرى كلما ارتأى ضرورة لـذلك ، وقـدر أن ذلك قد يخدم مصلحة المقاولة ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار تعيين الوكيل الخـاص جـزء من المصالحة .

 

و الملاحظ بخصوص نجاعة مؤسسة رئيس المحكمة في تذليل الصعوبات التي تعترض المقاولة من خلال مسطرة تعيين الوكيل الخاص، أن هذه المسطرة تفتقر إلى الوسائل الإجبارية من أجل إنجاحها ، و تبقى رهينة بقبول رئيس المقاولة ، لأنه هو الذي يؤدي الرسوم و مصاريف تغطيتها ، كما أن اللجوء إلى هاته المسطرة تثقل كاهل المقاولة خصوصا إذا كانت صغير ، أو متوسطة . مما يتم العزوف عنها من قبل الكثير من المقاولات ، كما أن المشرع من خلال تنظيمه لهاته لم يخصص لها سوى فصل واحد في إطار مسطرة الوقاية الخارجية وهو الفصل 550 من م ت ، فالغاية الأساسية مـن هاته المسطرة تتجلى فقط في تخفيف الاعتراضات المحتملة ، سواء كانت اجتماعية أو بين الشركاء أو خاصة بالمتعاملين.

 

 

الفقرة الثانية : الدور الإقتصادي التصالحي لرئيس المحكمة من خلال مسطرة المصالحة.

 

لقد نظم المشرع المغربي مسطرة المصالحة في 8 مواد من المادة 551 إلى   559  من القانون 73.17[18]. حيث تفتح هذه المسطرة في وجه كل مقاولة تعاني من صعوبات اقتصادية أو مالية أو لها حاجيات تمويلية ، دون أن تكون في وضعية التوقف عن الدفع، ورئيس المحكمة التجارية يحظى بدور محوري في إعمال وإنجاح هذه المسطرة ، بالنظر للأدوار المنوطة به.

 

      أولا :  التدخل الإيجابي التصالحي لرئيس المحكمة

 

بعد القيام بكل تلك الإجراءات الاستعلامية والاستقصائية  من أجل تكوين صورة واضحة عن المقاولة التي تعاني من صعوبات ، كما حددتها المادة 551 من م.ت يكون أمام رئيس المحكمة إما رفض الطلب ، إذا لم تتوفر الشروط المناسبة لإبرام اتفاق المصالحة ، وإما قبول الطلب سلوك مسطرة المصالحة  وفي ذلك تكون له اختصاصات عديدة من أجل الوصول إلى اتفاق المصالحة ، وحماية المقاولة التي قد تؤدي بها الصعوبات إلى التوقف عن الدفع.

تعيين مصالح

إذا اقتنع رئيس المحكمة من خلال التحريات التي قام بها أن هناك جدية من رئيس المقاولة في تصحيح الصعوبات وإنقاذ المقاولة يقوم بتقديم المساعدة إليه[19] ، حيث يقوم بتعيين المصالح  كأهم مرحلة في مسطرة المصالحة، هذا الأخير تتجلى مهمته في إبرام اتفاق الصلح بين المدين وداتنيه من أجل تذليل صعوبات المقاولة داخل مدة 3 أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة بطلب من المصالح  على خلاف الوكيل الخاص الذي لم يحدد له المشرع أي أجل .

وقرار تعيين المصالح من قبل رئيس المحكمة غير قابل لأي طعن مثله مثل باقي الأوامر المرتبطة بمسطرة المعالجة غير القضائية ، لذا كان على المشرع أن يقيد سلطة رئيس المحكمة فيما يخص صفة وشخص المصالح ، ذلك أن المهمة الموكولة إليه طبقا للمادة 553 وكذا السلطات الممنوحة له طبقا للمادة 555 تقتضي أن تناط هذه المهمة بمن تتوفر فيه شروط الحياد والموضوعية والاستقلالية خاصة وأن المشرع سلحه بالمادة 555 .

كما يقوم رئيس المحكمة بتحديد مهمة المصالح ، و يطلعه على المعلومات المتوفرة لديه والتي وصل إليها بالتحريات التي قام بها في المرحلة الاستعلامية،حيث نصت المادة 554 من م.ت “في حالة فتح مسطرة المصالحة ، يحدد رئيس المحكمة مهمة المصالح التي تتمثل في تذليل الصعوبات المالية أو الاقتصادية بالعمل على إبرام اتفاق مع الدائنين . يطلع رئيس المحكمة المصالح على المعلومات المتوفرة لديه وإن اقتضى الحال على نتائج الخبرة المشار إليها في المادة 552 أعلاه .”

 

فرض أجال على الدائنين

تمر مسطرة الاتفاق المبرم في إطار مسطرة المصالحة بمرحلتين تتمثل الأولى في مرحلة إجراءات المفاوضات ، بحيث يتطلب الإتفاق المبرم في إطار المصالحة إجراء مفاوضات بين رئيس المقاولة المدينة وجميع الدائنين ، والتي يختص بها المصالح ، ولا يمكن لهذا الأخير أن يجبر الدائنين على المشاركة في المباحثات ، بحيث أنه لا يتوفر على أية سلطة تخول له إجبار الدائنين على المشاركة في المفاوضات وقبول التضحيات .

لكن المشرع مقابل هذا أعطى للمصالح وحتى ينجح في مهامه التفاوضية مع الدائنين سلاحا خطيرا يجعلهم يقبلون الإنضمام لمهمته التفاوضية . وذلك طبقا لمقتضيات الفقرة الأولى من المادة 555 من مدونة التجارة[20] .

وبناء عليه يلاحظ أن الوقف المؤقت للإجراءات يعتبر إجراء اختياري و خطير يمكن المصالح من إدارة المفاوضات وإنجاح مسطرة المصالحة في ظروف ملائمة بمنأى عن كل متابعة قد ترفع ضد المقاولة والأحكام الصادرة في مواجهتها وإجراءات التنفيذ . هكذا فكلما رأى المصالح أن الوقف المؤقت للإجراءات من شأنه تسهيل إبرام إتفاق بين الدائنين يمكنه عرض الأمر على رئيس المحكمة التجارية الذي له بعد الإستماع للدائنين الرئيسيين أن يصدر أمرا في هذا الإطار ، يقرر ذلك الوقف ولا يقبل الأمر الصادر عن رئيس المحكمة بالوقف المؤقت للإجراءات أي وجه من أوجه الطعن ، لأن ذلك يتنافى والغاية المنشودة من مسطرة التسوية الودية والمتمثلة أساسا في إنقاذ المقاولة قبل أن تصبح متوقفة عن دفع ديونها[21] .

 

المصادق على اتفاق المصالة

ولإعطاء قوة تنفيذية لاتفاق المصالحة باعتباره اتفاق شبه قضائي ،فإن المشرع أخضعه  لمصادقة رئيس المحكمة التجارية الذي أنجز تحت إشرافه هذا الاتفاق[22] . كما أن هذا الاتفاق يصبح أثناء مدة تنفيذه بمثابة حاجز يقي المقاولة أو رئيسها من الدعاوى القضائية أو المتابعات الفردية التي تهدف إلى الحصول على الديون ، كما تتوقف كل الأجال المتعلقة بها ، و لا يلغي هذا الاتفاق إلا في حالة عدم تنفيذ رئيس المقاولة لالتزاماته الناجمة عن الاتفاق المصالحة حيث يعود كل شيئ إلى نقطة البداية ، و في هذا الإطار نصت المادة 556 من مدونة التجارة على أنه : ” عند إبرام اتفاق مع جميع الدائنين يصادق عليه رئيس المحكمة و يودع لدى كتابة الضبط إذا تم إبرام اتفاق مع الدائنين الرئيسيين أمكن لرئيس المحكمة أن يصادق عليه أيضا و أن يمنح للمدين أجال الأداء الواردة في النصوص الجاري بها العمل فيما يخص الديون التي لا يشملها الاتفاق ..”

و بقراءة متأنية المادة 556 من مدونة التجارة نجد أن المشرع أجبر رئيس المحكمة في حالة التوصل إلى إقناع الدائنين جميعهم أو الرئيسين منهم الانضمام إلى اتفاق المصالحة المصادقة عليه ،أما إذا انضم إليه مجرد الدائنين الرئيسين أو بعضهم فإن للرئيس أن يصادق عليه من عدمه[23].

وتجب الإشارة أن من مصلحة الدائنين الإنضمام إلى اتفاق المصالحة لما يضمن لهم أداء لـديـونهم حسـب مـضـمـون الاتفـاق ، إذا لـو سـلـك المـديـن مسطرة الإنقاذ أوخضع للمساطر القضائية للمعالجة بعـد تـوقـفـه عـن الـدفع واستجابت المحكمـة لـه ، فـإنهم سيخضـعـون لمنـع أداء الـديـون السابقة ، في إطار تطبيق قاعدة وقف المتابعات الفردية ، وتزداد أهمية انخراطهم في مسطرة المصالحة لمـا جـاء بـه القانـون 73.17 من امتياز لـدائني المصالحة ، وهـو أمـر جـديـد لـم يـكـن منصوص عليه في ظل القانون القديم لسنة 1996[24].

 

و عموما وعلى ما يبدو فإن دور رئيس المحكمة في إدارة هذه المسطرة و التمهيد لإبرام اتفاق المصالحة ، تكون له كلمة الحسم و اتخاذ القرار ، من فتح هذه المسطرة و تعيين المصالح و وقف الإجراءات و المتابعات الفردية و فرض الأجال ، و المصادقة على اتفاق المصالحة فكلها وسائل ساهمت بشكل كبير في ضمان نجاعة هاته المسطرة الاختيارية ، كما تشجع المقاولات اللجوء إليها لما تحتويه من وسائل حمائية و جبرية من أجل تذليل صعوباتها .

وقد وجه العديد من الباحثين انتقادات لمدة تعيين المصالح بأنها قصيرة ،إلا أن هذه المدة تجد مبررها في طابع الاستعجال الذي ينبغي أن يميز إجراء المصالحة تفاديا لتظهور الوضعية المالية للمقاولة ، وذلك الأجل يعتبر من النظام العام لا يمكن الإتفاق على مخالفته[25].

 

ثانيا : تأثير التدخل التصالحي لرئيس المحكمة على الدائنين و رئيس المقاولة.

لا شك في أن التدخل الشبه القضائي لرئيس المحكمة التجارية ، والتواصل إلى اتفاق المصالحة له تأثير واضح على وضعية الدائنين سواءا كانوا محل الإتفاق أو لم يوقعوا عليه .
بالنسبة للدائنين و رئيس المقاولة محل اتفاق المصالحة

بالنسبة لرئيس المقاولة يقع عليه تنفيذ اتفاق المصالحة المصادق عليه من قبل رئيس المحكمة التجارية ، و يتجلى هذا التنفيذ في العمل على تصحيح وضعية المقاولة بما تم الاتفاق عليه حيث يجب على المدين احترام جميع البنود الواردة في اتفاق المصالحة التي قام بالتوقيع عليها .

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس المقاولة يحتفظ بدون قيد بإدارة مقاولته و التصرف في أمواله لا يشاركه في ذلك لا المصالح و لا الغير ، بل لا يخضع حتى لرقابة المصالح أو إشرافه لأن مهمة هذا الأخير تنتهي بالتوقيع على اتفاق المصالحة مما يؤدي إلى عودة المدين لتسيير أمواله ، و في حالة عدم تنفيذ إلتزاماته يفسخ الإتفاق من قبل رئيس المحكمة التجارية و يتم سقوط الأجل لفائدة الدائنين المنضمين إلى الإتفاق، وكذلك أولئك الذين حدد لهم رئيس المحكمة أجل[26] .

و يحيل رئيس المحكمة الملف على محكمة الموضوع لفتح المسطرة القضائية ، الخروج عن المسطرة شبه قضائية[27].

 بالنسبة للدائنين محل اتفاق المصالحة لا ريب في أن الهدف من إجراء المصالحة هو الإسراع في وقاية المقاولة المتعثرة قبل توقفها عن أداء ديونها و هذا لا يتأتى إلا بتوفير مناخ ملائم للخروج بالمقاولة إلى بر الأمان . في هذا الإطار نصت الفقرة الأولى من المادة 559 من مدونة التجارة على أنه : “يوقف الاتفاق أثناء مدة تنفيذه كل إجراء فردي وكل دعوى قضائية سواء كانت تخص منقولات المقاولة المدينة أو عقاراتها بهدف الحصول على سداد الديون موضوع الاتفاق .

كما يوقف هذا الاتفاق الآجال المحددة للدائنين ، تحت طائلة سقوط أو فسخ حقوقهم ..”

كما يستفيد الدائنين المتنازلين على حق مهم ، مقابل تضحياتهم وهو إمتياز المصالحة المنصوص عليه في الفقرتان الأولى والثانية من المادة 558 م.ت [28]لقد اختار المشرع المغربي إغواء دائني المقاولة للقبول بالإنضمام إلى اتفاق المصالحة من خلال منحهم امتياز المصالحة بخصوص المساهمات المالية التي يقدمونها للمقاولة[29].

 

 

بالنسبة للدائنين غير المشمولين باتفاق المصالحة

أمام غياب الطابع القضائي للمصالحة بما لا يجعل الانضمام إليها أمرا إلزاميا للدائنين ، فإنه وفيما يخص أولئك الـذيـن رفضوا أن يكونوا جزءا من هذا الاتفاق، فإن اقتضاءهـم لـديـونهـم يـتـم إمـا في أجالها الأصلية أوفي أجال يقــوم رئيس المحكمة بمنحهـا للمـديـن بـنـاء عـلـى طلـب هـذا الأخير طبقا لأحكام المادة 556 م.ت.

ومؤدى ذلك حسـب المـادة 556 م ت أنه وحتى فيما يخص الدائنين غير المشاركين في اتفاق المصالحة ، فإن ذلك لا يعني أنهم بامتناعهم عـن المشـاركة أنهـم سيحصلون بالضرورة على ديونهم في آجالها ، حيث أجاز القانون المغربي لرئيس المحكمة أن يحدد لهـم أجـال أخـرى حسـب مـا تقتضيه مصلحة المقاولة الخاضعة للمصالحة ، كما قد يأمر كذلك بتمكينهم من ديونهم وفقا لأجلها فقـد نـصـت الفـقـرة الثانيـة مـن المـادة 556 م.ت عـلـى أنـه “… وأن يمنح للمدين أجل للأداء وفق النصوص الجاري بها العمل فيما يخص الـديـون التي لم يشملها الاتفاق . وفي هـذه الحالـة وجـب أخبـار الدائنين غير المشمولين بالاتفاق والمعنيين بالأجيال الجديدة ” .

فرئيس المحكمـة قـد يأمر بتأخير ديون الدائنين غير المشاركين في اتفاق المصالحة إذا كـان مـن شـأن أدائهـا التـأثير على تصحيح وضعية المقاولة ، وبالمقابل إذا كانت هذه الديون صغيرة وغير مؤثرة على تصحيح وضعية المقاولة ، كان له أن يأمر بأدائها في آجالها . وأوامر رئيس المحكمة في هذه المرحلة لا تقبل الطعن

 

و يتضح من خلال ما سبق أن إبرام اتفاق المصالحة تحث إشراف رئيس المحكمة التجارية ، يترتب عليه آثار مهمة على أطرافه و حتى الدائنين غير الموقعين عليه ، وهذه الآثار تتراوح بين التحفيز من خلال إمتياز المصالحة الذي يعطي للدائنين المنخرطين في إنجاح مسطرة المصالحة ، و التهديد من خلال وقف المتابعات و فرض الآجال على أولئك المستعصين.

كما أن حرمان الدائنين من الطعن في  أوامر رئيس المحكمة التجارية بخصوص مسطرة المصالحة ، يقــوم على قاعدة تفضيل مصلحة المقاولة المتعثرة والتي هي على مشارف التوقف على الدفع على مصالح الدائنين وهو ما جعـل أوامـر رئيس المحكمة التجارية  سارية النفاذ ومحصنة ضد أي طعن فيها [30].

وكل هذه الإمكانيات تساهم في تحقيق نجاعة أكبر ونتائج ملموسة في إخراج المقاولة من  صعوبات اقتصادية أو مالية التي تعاني منها ، وهي مسطرة أكثر نجاعة من مسطرة الوكيل الخاص .

 
خاتمة

إن تدخل القضاء في إطار صعوبات المقاولة ليس بالجديد قطعا، فلقد استمر هذا التدخل طيلة سنوات، إلا أن الجديد هو تنامي الصلاحيات القضائية بشكل كبير عبر آليات تعكس صورة ايجابية لوظيفة قضائية متميزة.

إن تدخل القضاء الفردي المتمثل في رئيس المحكمة التجارية يتم عبر آليات قانونية فرضتها طبيعة وأهداف مساطر وقاية و معالجة صعوبات المقاولة من جهة وضرورة الانسجام الذي يجب أن يحصل بين الوظيفة الاقتصادية للقضاء مع هذا النوع من المساطر من جهة أخرى بغية نجاعة وفعالية التدخل لحماية وانقاد المقاولة التي تعتبر أداة أساسية في النسيج الاقتصادي الجهوي والوطني.

لائحة المراجع

مصطفى بونجة ونهال اللواح، مساطر صعوبات المقاولة وفقا للقانون 73. 17 الطبعة الأولى 2018يونس الحكيم، دروس في مساطر صعوبات المقاولة على ضوء القانون 73. 17 طبعة 2018العربي سعيد، صعوبات المقاولة في زمن كورونا 19 محاولة في رصد المخاطر والفرص، طبعة 2020عبد الرحيم شميعه شرح أحكام نظام مساطر معالجة صعوبات المقاولة في ضوء القانون 73. 17 4الرسائل والأطاريحعائشة بالقاضي، وظيفة القضاء التجاري في مساطر صعوبات المقاولة بين القانون والممارسة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص جامعة محمد الأول كلية العلوم القانونية والاقتصادي والاجتماعية وجدة 2013/ 2014رقية السحيمي، دور المحكمة التجارية في ميدان صعوبات المقاولة، رسالة في قانون الأعمال أكدال الرباط السنة الجامعية 2000 2001زكرياء العماري، التسوية الودية لآليات الوقاية من صعوبات المقاولة، رسالة الدراسات العليا في القانون الخاص وحدة قانون الأعمال والمقاولات، جامعة محمد الخامس السويسي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية للرباط 2008/2009زينب قاوري تلمساني .دور القضاء التجاري في حياة المقاولة .رسالة ماستر. السنة الجامعية 2017/2016.محمد أمين بوردي.خصوصيات التدخل القضائي في نظام معالجة صعوبات المقاولة.رسالة ماستر في القانون و المقاولة.جامعة مولاي إسماعيل.كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مكناس .سنة 2011/2012.

 

المصدر:https://www.droitetentreprise.com/%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%b1%d8%a6%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d9%83%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b5%d8%b9%d9%88%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%b9%d9%84/

عن safae wazani

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.