عبد المطلب الزكاري :المحامي وحدود استعمال وسائط التواصل الاجتماعي

المحامي وحدود استعمال وسائط التواصل الاجتماعي

عرفت العقود الأخيرة تحولات مهمة في طبيعة المجتمعات الإنسانية، نتيجة الثورة الرقمية التي شهدها العالم وكذا استعمال المكثف للوسائط الحديثة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي أحدثت تغيرات جوهرية في الحياة اليومية للإنسان، وقد انتقل التواصل الاجتماعي مع التطور التكنولوجي من التواصل المعتمد على الاتصال الفزيائي بشكل خاص إلى التواصل الاجتماعي القائم على التواصل الافتراضي عن طريق شبكة الانترنيت ووسائط التواصل الاجتماعي.

تعرف وسائط التواصل الاجتماعي بأنها عبارة عن تكنولوجيا يتم استخدامها عبر شبكة الانترنيت العالمية وباستخدام أنواع متعددة من الأجهزة كالكمبيوترات والأجهزة اللوحية وحتى الهواتف، تتيح هذه الوسائط لمستخدميها إمكانية التفاعل مع المستخدمين الآخرين من قبيل العائلة والأصدقاء وحتى العملاء والتواصل معهم، من خلال ما يتم مشاركته عبرها من صور وتدوينات وفديويات، فهذه الوسائط قائمة على تبادل المعلومات وبناء المجتمعات الافتراضية.

والمحامي بدوره ملزم بالتفاعل والتواصل مع محيطه بشكل مستمر وذلك في إطار علاقته سواء مع زملاءه أو غيرهم من أبناء جلدته، سواء بمناسبة إفصاحه عن أرائه في مختلف المواضيع التي تشغل الرأي العام منها الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية…أو بمناسبة دفاعه عن مهنته في مواجهة الحملات الهوجاء على رسالة الدفاع، فوسائط التواصل الاجتماعي الحديثة ما هي إلا وسيلة لتوسيع وتمديد التواصل الاجتماعي من حيث الزمان والمكان.

إذا كان المحامي في جل نشاطاته مقيد بتقاليد وأعراف المهنة فالأمر كذلك أيضا بخصوص تعاطيه لوسائط التواصل الاجتماعي، فالتقاليد باعتبارها نتيجة لتراكم أفكار أو سلوكيات اعتاد عليها السلف تاركا إياها للخلف هي بمثابة الحصن الواقي لشموخ هذه المهنة وعزتها ونبل رسالتها وسموها.

إن موضوع استعمال المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي من المواضيع التي تثير مجموعة من الإشكالات التي تضرب في صميم أعراف وتقاليد مهنة المحاماة وذلك لعدم التحفظ أحيانا أو عدم حفظ السر المهني أحيانا أخرى و الخلط الذي يقع للمحامي بوعي أو دونه بين طبيعة مهنة المحاماة وباقي المهن التجارية، وذلك نظرا لطبيعة رسالة المحاماة والتي يتعين أداءها وفق أدبيات معينة تنسجم ومبادئ النبل والنزاهة والتجرد والاستقلالية، ومن هنا تظهر أهمية هذا الموضوع على اعتبار أن تقاليد وأعراف مهنة المحاماة التي تعتبر الدرع الواقي للمهنة ككل قد تكون محط تجاوز في ظل الضرورة الملحة التي تفرض على المحامي مواكبة مستجدات العصر والتغيرات واللحق بركب عالم الوسائط التكنولوجيا الذي بات حقيقة لا مفر منها.

ومن هنا تثار إشكالية أساسية مفادها:

كيف يمكن للمحامي التوفيق بين ضرورة استعمال وسائط التواصل الاجتماعي والتقيد بتقاليد وأعراف مهنة المحاماة؟

ولمعالجتها سنعتمد خطة ثنائية كالتالي:

الفقرة الأولى: مظاهر استعمال المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي

الفقرة الثانية: ضوابط استعمال المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي

الفقرة الأولى: مظاهر استعمال المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي

عرف العصر الحديث تطورا كبيرا في ميدان العلم والمعرفة، وتجلى هذا التطور في تقدم تكنولوجيا المعلومات ووسائط الاتصال المتعددة، وبروز ما يطلق عليه ثورة التكنولوجيا المعلومات والاتصال المتعددة التي شملت كل جوانب الحياة المعاصرة علمية اقتصادية اجتماعية وثقافية وقانونية[1].

إن المحامي فاعل سياسي وحقوقي.. ودوره لا يجب أن يقتصر على الجانب التقني والحرفي من المهنة من خلال القيام بما تفرضه الممارسة المهنية من مساطر وإجراءات داخل المكاتب والمحاكم، ولكن عمل المحامي باعتباره من نخبة المجتمع أسمى من ذلك، باعتباره يمارس مهنة نبيلة أساسها الدفاع عن الحق ومحاربة الباطل وجميع مظاهر الظلم وانعدام العدالة، بحيث يمكن أن يعبر عن رأيه بكل حرية[2]، سواء تعلقت بالمهنة ومشاكلها وإكراهاتها ومستقبلها أو تعلقت بالشأن العام السياسي والحقوقي والاقتصادي والاجتماعي داخل البلاد.

فاحتكاك المجتمعات بوسائط التواصل الاجتماعي سهل عملية انتشار الخبر بشكل سريع واختراقه للحدود الإقليمية، فأصبح هذا الامتياز الذي تتيحه هذه الوسائط دافعا أساسيا في تفضيل إبداء الآراء ومناقشة الإشكالات المجتمعية التي تهم مختلف المجالات عبر هاته الوسائط وذلك في إطار التواصل الاجتماعي، لكون سرعة انتشار الخبر على أعلى نطاق ممكن مقارنة مع ما هو الحال في التواصل الفزيائي والمرئي وهو الرهان الحاسم في التأثير بواسطة الرأي المدلى به.

ولا شك أن حرية التعبير مضمونة للمحامي سواء باعتباره مواطنا وأحد نخب المجتمع وذلك من خلال مقتضيات دستور المملكة الذي يعتبر حق التعبير أحد ركائزه وثوابته[3]،أو بصفته عينة تنتمي إلى خلية مهنة المحاماة أي باعتباره محاميا، فالقانون المنظم لمهنة المحاماة في مادته الأولى نص على أن المحاماة مهنة حرة مستقلة[4]وبالتالي فإن حرية المحامي في التعبير عبر وسائط التواصل الاجتماعي يمكن تصورها في حالتين الحالة الأولى هي التي يكون بمناسبة تفاعله مع مختلف القضايا المجتمعية التي تشغل الرأي العام ويدلوا فيها بدلوه فيما يتعلق بقناعات المحامي في المجال الاجتماعي أو الاقتصادي أو

الحقوقي وغيرها، أو من خلال التعبير عن رأيه بخصوص كل ما يهم مهنته وله علاقة بها أو الدفاع عنها في مواجهة الحملات الهوجاء، فالمحامي هو الأجدر من غيره لإبداء رأيه لكونه ينتمي للفئة المثقفة في البلاد ناهيك عن كون المحامي في عديد من الأحيان ليس محاميا وفقط بل قد تجد محاميا وفاعلا جمعويا، محاميا وسياسيا في نفس الآن، وهنا يكون للمحامي قدر شاسع من الحرية. لكن ما العمل حينما تتعارض مصالح المحامي مع مصالحه كسياسي مثلا فأي كفة ترجح؟

جوابا على هذا السؤال يقول النقيب عبد اللطيف بوعشرين في إحدى الندوات التمرين بهيئة المحامين بالدار البيضاء والمبرمجة عن بعد، أنه عند تعارض مصالح مهنة المحاماة مع مصالح أخرى ينبغي على المحامي في إطار الأعراف والتقاليد أن يرجح كفة المحاماة على أي مصالح أخرى، فالإعلاء من شأن المهنة أولى من أي اعتبار أخر، وأنه من غير المقبول خدمة أجندات أخرى على حساب المهنة بل العكس صحيح، فالانتماء السياسي يزكي مكانة المحامي والمحاماة في الدفاع عنها ومصالحها ويساهم في خلق لوبي خاص بالمهنة قصد تجنب الحملات الهوجاء التي تضرب في مصالح المحاماة عرض الحائط.

صحيح أن المحامي حر في الإدلاء بتصريحاته عبر وسائط التواصل الاجتماعي ولا يمكن تسليط عليه سيف تعتيم لسانه، وتكون هاته الحرية واسعة حينما يكون بصدد مناقشة قضية أو موضوعا مجتمعيا محضا، وعلى عكس ذلك حينما يتعلق الأمر بملف معروض على القضاء وهي الحالة الثانية التي يكون المحامي فيها بصدد إبداء رأيه، بحيث يكون لسلطته في التعبير عبر وسائط التواصل الاجتماعي في هذه الحالة مجموعة من الضوابط والخطوط الحمراء لا يحق له تجاوزها والتي تعتبر أهمها:

– يجب أن تكون له نيابة في الملف:

الأكيد أن إبداء الرأي بخصوص ملف معروض على القضاء يقتضي الإلمام بجل جوانب الملف وعناصره الكاملة والوقائع التي تشكل أساسا لهذا الملف هذا من جهة، كما انه من جهة أخرى فتوكيل المحامي في الملف يعطي له تلقائيا الصفة في إبداء الرأي فيه وفق ما يخدم مصالح موكله دون الإخلال بواجب التحفظ والسر والمهني.فاشتراط أن يكون المحامي مؤازرا أو ممثلا لمصالح قصد الإدلاء برأيه في ملف معروض على القضاء، فمرده إلى أنه هو الوحيد الذي يمتلك المعطيات الكاملة والمؤهل للإدلاء برأيه في الملف لكونه مطلعا عليه من كل جوانبه مبدئيا، ودونه لا يحق لأي زميل لا يؤازر في الملف ولا يمثل مصالح فيه إبداء رأيه، من منطلق عدم توفره على كل عناصر الملف ولا صاحب الصفة في مناقشته، ولا مصلحة له في ذلك أيضا، على اعتبار أن المحامي الذي له نيابة في الملف هو الممثل القانوني لموكله وعليه تتوافر فيه قرينة مفترضة قانونا وواقعا بأنه لن يضر بهاته المصالح ويسعى للدفاع عن موكله بشتى الوسائل المعتبرة مشروعة قانونا.

بل إنه من واجب المحامي ألا يظل صامتا أمام الجهة التي ارتأت أن تدين موكله حتى قبل بدأ المحاكمة. فإذا كانت جهة معينة تعلق على الحجج وتدين من دون خوف فإنه من المنطقي ألا تبقى الجهة الأخرى بكماء لان صمتها يمكن أن يفسر كاعتراف ضمني بالمنسوب إليها[5]. أأن

والحال أن ما يلاحظ أن بعض الزملاء يتدخلون من خلال وسائط التواصل الاجتماعي لإبداء رأيهم في ملفات معروضة على القضاء دون أن تكون لهم نيابة في الملف الملف، ومن شأن هذا التصرف التأثير على مهام الزميل الذي كلف بمهام موكله في الملف ويخلف له نوع من الارتباك في

تحضير دفوعاته ويمس بشكل قريب من استقلاليته، وإن كان استثناء يمكن مناقشة واقعة قانونية قد تكون موضوع إشكال دون أن يكون الأمر يتعلق بشخص معين ولا تخص زيد أو عمر وبمعزل عن الملف (كالتقادم مثلا ).

-اللغة المستعملة عبر وسائط التواصل الاجتماعي:

إن الرأي الذي يدلي به المحامي عبر وسائط التواصل الاجتماعي سيكون في متناول فئة عريضة تتجاوز في بعض الأحيان الطابع المحلي وهذه نتيجة مباشرة لاستعمال تلك الوسائط، بالتالي فإنه يكون ملزما بتوظيف لغة من نوع خاص يفترض فيها نوع من الرزانة والوزن واحترام المخاطب وكياسة في هذا الخطاب وليس العبث واللغو فيه، فالكلمة التي تخرج من فم المحامي هي عبارة عن سمفونية تستقطب وتجدب حسب تعبير النقيب بوعشرين، أما إذا كان الخطاب وكلمات المحامي نشز فإنه لا يشكل إضرارا بشخصه فقط وإنما بالمهنة ككل.

فالأسلوب اللغوي المعتمد من طرف المحامي هو ما يشكل فارقا عن غيره، ويضعه في مرتبة مميزة إذا كان لبقا مرنا في كلماته ويطبعها الاحترام والتوقير للمخاطب.

– عدم توجيه الاتهام:

فوظيفة المحامي هي الدفاع وليس توجيه أصابع الاتهام لأي كان فتلك هي مهمة النيابة العامة، وعليه عند إبداء الرأي عبر وسائط التواصل الاجتماعي لا يحق له اتهام الأسماء يمكن له شرح الوقائع والوضعيات لكن لا يمكن توجيه الاتهام لأي كان يبقى دوره منحصرا في الدفاع وتوضيح الوضعيات الواقعية التي تتيح للقاضي والنيابة العامة تكييف الأفعال وفق ما هو قانوني.

وختاما لهاته الفقرة يمكننا القول أن علاقة المحامي بوسائط التواصل الاجتماعي ليست وليدة اليومي، وإنما تجد أساسها في القانون المنظم لمهنة المحاماة في مادته 35 التي نصت على أنه: ” يحق للمحامي أن يتوفر موقع في وسائل الاتصال الإلكترونية يشر فيه نبذة عن حياته ومساره الدراسي والمهني، وميادين اهتماماته القانونية وأبحاثه، شريطة الحصول على إذن مسبق من النقيب بمضمون ذلك.”

فوسائل التواصل الإلكترونية أو ما أصبح يعرف بمواقع التواصل الاجتماعي ارتفع الإقبال على استخدامها في الآونة الأخيرة مقارنة بما كان عليه الأمر في السابق وأصبحت جزء من حياة المحامي اليومية، وذلك على اختلاف مظاهر استخدامها، سواء للتواصل أو لتتبع الشأن المهني أو العمومي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا..، والتي حاول القانون المنظم لمهنة المحاماة في الفرع الأول المتعلق بالتشبث بالوقار والسر المهني ضمن الباب الرابع المنظم لواجبات المحامين كما عمل السادة النقباء الممارسين كذلك من جهتهم دائما على التذكير بضرورة وضع حدود لكيفية التعامل معها، مما يستشف معه أن الغاية من ذلك هو أن استخدام هذه الوسائل يجب أن يتم بوقار وباحترام تام للسر المهني وبعيدا عن استمالة الأشخاص والسمسرة وتجنب السلوكات ألا مهنية بالشكل الذي يمليه قسم مهنة المحاماة.

الفقرة الثانية: ضوابط استعمال المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي

أصبح استخدام المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي جزء لا يتجزأ من ممارسته المهنة اليومية وأصبحت بشكل متزايد في الآونة الأخيرة.

فلا يختلف اثنان أن هذه الوسائط التواصلية الاجتماعية فرضت نفسها في حياة المحامي المهنية التي حملت معها عاصفة من المتغيرات في مهنة المحاماة قد تؤثر سلبا بشكل كبير على تقاليدها وأعرافها، تجعل معها العديد من الإشكالات تطفو من خلال ممارسته لمهنة المحاماة المعاصرة[6].

إن المحامي ليس مطالبا بأن يبقى كما كان المحامي التقليدي، وكما أريد له أن يكون على مدى عقود من الزمن، حبيس ردهات المحاكم وزوايا مكتبه، بل أصبح ملزما بالانفتاح على العالم على رحابته، فقد أصبح مجال عمله من التوسع يوما عن يوم بحيث يطال كل مناحي الحياة، وتجاوز الحدود السياسية والجغرافية واللغوية والدينية وغيرها.

وقيام المحامي بواجباته المهنية في ظل هذه الشروط الجديدة لا يعفيه إطلاقا من التمسك بالأعراف والتقاليد المهنية، والعمل على تطويرها مع ما يتناسب والمسؤوليات الجديدة الملقاة على عاتقه.

إن وسائط الاتصال الحديثة تضع المحامي أمام تحديات حقيقية، فإذا كانت توفر السرعة والدقة والفعالية، فإنها تضع إشكاليات بخصوص آداب مزاولة المهنة والمخابرة والحفاظ على السر المهني وتجنب الوسائل الاشهارية والتي تميل إلى استمالة المتقاضين.

إن هذه التغيرات المتلاحقة بحكم التقدم التكنولوجي وفي ظل المتغيرات الدولية المتسارعة لا بد أن تضع تقاليد وأعراف المحاماة موضع اختبار حقيقي.6 وحتى لا يظل المحامون الطريق وهم في صراع مع متطلبات التحديث المهني من جهة، ومع ما تستتبعه من إيجاد آليات أدبية تحافظ للمهنة على انضباطها وانتصارها لرسالتها السامية والنبيلة فعليهم أن يضعوا نصب أعينهم تقاليد وأعراف المحاماة سواء في علاقتهم مع الموكلين أو مع الزملاء.

فتعاطي المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي كما أسلفنا يمكن أن يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر بوعي أو بغير وعي من المحامي، على أعراف وتقاليد المهنة من قبيل التقيد بالمحافظة على السر المهني وكذا تجنب الاستمالة أو الإشهار أو غيرها من الوسائل التي تهدف إلى جدب المتقاضين.

– تقييد المحامي بالسر المهني:

عرف السر بأنه من الأسرار التي تكتم والسر ما أخفيتهم، ورجل سري أي يضع الأشياء سرا، وأسر الشيء أي كتمه ولم يظهره[7].

كما جاء في القرآن الكريم في غير ما هي مناسبة واحدة مشيرا لكلمة السر ونذكر على سبيل المثال لا الحصر الأية 77 من سورة البقرة، (أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون)[8].

كما نص القانون المنظم لمهنة المحاماة على وجوبية الحفاظ على السر المهني، في مادته 12 المتعلقة بالقسم المهني، ومن ضمن ما جاء فيها (اقسم بالله علي العظيم…..،وأن أحافظ على السر المهني).

اقرأ أيضا…
تدبير الزمن القضائي بين هاجس المتقاضي و إكراه تحقيق العدالة
تنصيب المحامي بين واقع الحال ومشاريع المآل دراسة في ضوء مسودات مشاريع قانون المسطرة المدنية ومهنة المحاماة واستعمال الوسائط الالكترونية في الإجراءات القضائية
لماذا ” دسترة ” المحاماة
والمادة 36 حيت نصت هذه الأخيرة على أنه:

(لا يجوز للمحامي أن يفشي أي شيء يمس السر المهني في أي قضية.

يتعين عليه، بصفة خاصة، أن يحترم سرية التحقيق في القضايا الزجرية، وأن لا يبلغ أي معلومات مستخرجة من الملفات، أو ينشر أي مستندات أو وثائق أو مراسلات، لها علاقة ببحث مزال جاريا.)[9]

إن استخدام المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي محفوف بعدة مخاطر، المحاطة بهذا النشاط تتعلق أساسا بالأمن الرقمي والمتمثلة في القرصنة وكذا الوثائق المصورة للملفات وغير ذلك من الخصوصيات التي قد تكون بين المحامي والمتدخلين معه موكلين وزملاء ومؤسسات ومجتمع ككل، والتي قد تضعه في المحظور بإفشائه السر المهني كأهم التزام على عاتقه وأقدس مبدأ من مبادئ مهنة المحاماة[10].

ذلك أن مراعاة المحامي للسر المهني وعدم إفشائه هو ليس فقط التزام يجد مصدره في العلاقات التعاقدية التي تربط بينه وبين الموكل فقط، وإنما يتعدى هذا الإطار أنه ملزم بموجب أحكام المادة 12 من قانون المهنة المتعلقة بالقسم والمحافظة على السر المهني وعدم الإفشاء بأي شيء يمس به.

إن تواصل المحامي مع موكليه عبر وسائط التواصل الاجتماعي التي تعتبر شبكة عالمية مفتوحة عبر العالم لا تعطي أي ضمانات حقيقية من أن الرسالة لم يتم العبث بها بالقراءة أو التغيير أو التحريف من الغير أثناء رحلتها وهناك احتمال وصول الرسالة إلى شخص أخر.

وهذا ما يفرض على المحامي تحوطا وحذرا كبيرين عند الاتصال به من لدن موكليه للاستفسار عن ملفاتهم، آنذاك يتوجب عليه التأكد من هوية وصفة المتصل بغية احترام السر المهني، وتفادي تنازع المصالح وتقديم المعلومات الملائمة لطالب الخدمة من موكليه ومؤازريه، فقدسية السر المهني قد تجعل المحامي مهددا بالمساءلة ليست التأديبية فقط وإنما حتى الجنائية والمدنية.

– الإشهار واستهداف الأشخاص واستمالتهم:

تنص المادة 35 من قانون المهنة على أنه: ( لا يجوز للمحامي أن يمارس أي عمل يستهدف جلب الأشخاص، واستمالتهم ولا أن يقوم بأي إشهار كيفما كانت وسيلته)[11].

هذا في الوقت الذي أضحى فيه عدد لا يحصى من رجالات مهنة المحاماة في تعاملهم مع وسائط التواصل الاجتماعي يقدمون تسجيلات وفديويات ذات صبغة قانونية بهدف التوعية بشكل مجاني للمتلقي والحال أن الاستشارة مؤدى عنه، فالمعلومة هي مصدر رزق لمحامي، والأنكى من ذلك أن هناك من الزملاء من يتلقون استفسارات قانونية على حساباتهم ويتفاعلون بالرد في ضرب لعرض الحائط لأعراف وتقاليد مهنة المحاماة التي تستوجب استقبال الموكل في المكتب بداية وفق ما يقتضيه وقار المهنة والرفع من شأنها وشموخها ونخوتها، بعيدا استهداف

الأشخاص بالإشهار وغيرها من السلوكات غير المقبولة، فالإشهار المسموح به هو الذي تكون غايته التعريف كالإشارة إلى كون المحامي دكتور في الحقوق وليس الإستشهار الذي يعد تبخيسا وضربا مباشرا في تقاليد رسالة المحاماة وأعرافها القديمة قدم المهنة.

– عرض مراسلات الزملاء على الغير:

إذا كان المحامي ملزم بحفظ سر موكليه فالأمر بأهمية بمكان فيما يخص مراسلات وأسرار زملائه، ولا يحق له أن يفشي أو يعرض على الغير ما يدور بين زملائه من مراسلات مكتوبة عبر وسائط التواصل الاجتماعي ذلك تجنبا للشبهات ولأي استعمال غير مرغوب فيه من طرف الغير، خاصة وأن مهنتنا العتيدة تحت المجهر وعرضة لمختلف الهجمات من طرف المتربصين بهذه المهنة[12].

لكن استثناء وإذا اقتضى الأمر ذلك، يمكن للمحامي تمكين موكله من فحوى ومحتوى المراسلات الزملاء وبما يفيده في ملفه أي يبلغ له مضمونها وليس المراسلات بشكل عيني.

– عرض المذكرات على وسائط التواصل الاجتماعي:

إن تصرفات المحامي بمناسبة ممارسة مهنته يفترض فيها حماية السر المهني والحفاظ على الحياة الخاصة للأشخاص، لهذا فإن نشر وعرض المذكرات على صفحات وسائط التواصل الاجتماعي يتنافى وتقاليد المهنة لما في ذلك من خرق سافر للسر المهني، ومساس بحياة الأشخاص ومعطياتهم الشخصية.

فاستعراض عضلات المحامي تكون أمام القضاء وداخل الجلسة المدرجة أو بمناسبة تحرير مذكرته، لا أن يعرضها لمتناول العموم لما في ذلك من خرق لتقاليد وأعراف مهنة المحاماة سيما وأن الكلمة الخيرة تكون للقضاء الذي يفصل في النزاعات بأحكام وقرارات تعد عنوانا للحقيقة.

– تقديم الاستشارة في المكتب:

تنص المادة 42 من قانون مهنة المحاماة على أن:

( يستقبل المحامي موكليه ويعطي استشارته بمكتبه وعندما ينتقل إلى خارج دائرة

مكتبه، يستقبل موكله بمكتب أحد المحامين.)

كما تنص المادة 30 في بندها الخامس من نفس القانون على أن:

(يمارس المحامي مهامه بمجموع تراب المملكة،…

……

5) إعداد الدراسات والأبحاث وتقديم الاستشارات وإعطاء فتاوى والإرشادات في الميدان القانوني[13].

فالاستشارة وتقديم الفتاوى في المجال القانوني إذن هي من ضمن مهام المحامي ويكون مؤدى عنها أتعاب وتقدم في مكتبه، حيث لا يجوز للمحامي تقديم استشارات مجانية عبر وسائط التواصل الاجتماعي التي تعتبر من المحظورات وموجبة للمسؤولية التأديبية أمام نقيب الهيئة ومجلسها لمخالفتها الأعراف والتقاليد والقانون.

أما إذا تعلق الأمر بتواصل المحامي مع موكليه وليس زبناء محتملين عبر وسائط التواصل الاجتماعي وبعد التأكد من هويتهم قصد إطلاعهم على مستجدات قضاياهم والتقدم الذي أحرزه الملف أو الإجابة عن استفسارهم، فإنه حسب ما يمليه التقدم التكنولوجي للمجتمع لا مانع فيه مادام أنه يساير الحياة المهنية للمحامي دون الإخلال بتقاليد وأعراف مهنته سيما وأن هذا حل لمواجهة وتدبير علاقة المحامي بموكليه ورسالة الدفاع التي لا يمكن الاستغناء خاصة في ظل الوباء الذي عرفته البلاد والعالم أجمع، بحيث أصبح يقتضي الأمر اتصالا عن بعد ما أمكن لتجنب انتشار الوباء.

خاتمة:

ختاما لما تقدم فموضوع استعمال المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي أضحى في الآونة الأخيرة يحظى بأهمية كبيرة، نظرا لحجم التأثيرات التي تتمخض عن تعامل المحامي مع الوسائط التكنولوجية الحديثة على قواعد وأعراف مزاولة مهنة المحاماة.

فمن جهة المحامي مطالبا بانفتاحه عن محيطه سواء المصغر المتمثل في زملائه أو الشامل والمتمثل في كافة شرائح المجتمع بشتى الوسائل حتى الوسائل الحديثة منها، انسجاما ومواكبة مع التطور الذي تعج به المجتمعات، لأن المهنة أساسها اجتماعي محض، ومن جهة أخرى هناك مجموعة من القيود التي تحد أو يمكن أن نقول عنها عبارة عن ميزان ضابط يقوم كل اعوجاج تعرفه ممارسة مهنة المحاماة.

وأمام العلاقة الحتمية التي تربط المحامي بوسائط التواصل الاجتماعي والتي هي في حقيقة الأمر أحد مظاهر العولمة التي أخذت تلقي بظلالها على مهنتنا العتيدة، وعلى هذا الأساس فإنه في نظرنا أصبح تدخل المشرع وكذا جمعية هيئات المحامين بالمغرب باعتبارها الممثل الرسمي لمجموع هيئات المحامين بالغرب، من خلال مقترحها لمشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة الجديد الذي تعتزم تقديمه لوزارة العدل قصد تخصيص مواد منه تتناول بالتنظيم والتنصيص القانوني لتعامل المحامي مع وسائط الاتصال الالكترونية الحديثة بكل أشكالها، ذلك أن القانون الحالي إذا استثنينا النص الذي يجيز للمحامي أن يتوفر على موقع إلكتروني فإنه لا يوجد ما ينظم تعاطي المحامي لوسائط التواصل الحديثة.

[1] الخاميس فاضيلي، أعراف وتقاليد المحاماة في زمن الانترنيت، مقال منشور في مجلة رسالة المحاماة تصدرها هيئة المحامين بالرباط، العدد 39، ص 91.

[2] خالد الادريسي، المحاماة وحرية التعبير، مقال غير منشور

[3] الفصل 25 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 ( حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها)، الجريدة الرسمية عدد 5964، بتاريخ 30 يوليوز 2011، ص 3600

[4] الجريدة الرسمية رقم 5680، الصادرة يوم الخميس 6 نونبر 2008، ظ ش رقم 1.08.101، أكتوبر 2008، بتنفيذ القانون رقم 08.28.

[5] خالد خالص، المحامي ووسائل الاعلام، منشورات المركز المغربي للدراسات والأبحاث حول المهن القضائية والقانونية، حول إصلاح مهنة المحاماة، دفاعا عن المهنة والمهنية، الصفحة 170.

[6] سعد بوجناني، ضوابط استعمال المحامي لوسائط التواصل الاجتماعي والاعلام، مقال منشور على موقع العلوم القانونية.

[7] النقيب حسن وهبي، الأعراف وتقاليد المهنة ومتطلبات التحديث، مقال منشور على الموقع الالكتروني على الرابط التالي: www.articledroit.blogspot.com. تاريخ وساعة الدخول، 23/06/2020 على الساعة 12:30، تاريخ وساعة الخروج منه على الساعة 13:41

[8] سورة البقرة الأية 77.

[9] الجريدة الرسمية رقم 5680،الصادرةيومالخميس 6 نونبر 2008،ظشرقم 1.08.101،أكتوبر 2008،بتنفيذالقانونرقم 08.28.

[10] سعد بوجناني، مرجع سابق.

[11] الجريدة الرسمية رقم 5680،الصادرة يوم الخميس 6 نونبر 2008،ظشرقم 1.08.101،أكتوبر 2008،بتنفيذ القانون رقم 08.28.

[12] انظر النظام الداخلي لهيئة المحامين بالرباط في ماته 54

[13] انظر النظام الداخلي لهيئة المحامين بالرباط في ماته 54

عن Younestc

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.