عرض الخطأ التقصيري في القانون المغربي

الخطأ التقصيري pdf

لما كانت الطبيعة الإجتماعية للإنسان1 حتمية ضرورية لابد منها، فإن ذلك يقضي عليه إقتسام أموره مع بني جنسه في المجتمع. إلا أن إنتظام الإنسان داخل المجتمع لا يمنع من نشوب أخطاء قد يترتب عنها ضرر للغير، وبالتالي يتعين عليه تحمل عواقب أفعاله، وهو ما يسمى بالمسؤولية المدنية في شقها التقصيري2، التي تعتبر إحدى مصادر الإلتزام إلى جانب العقد، والإرادة المنفردة، والإثراء بلا سبب،والقانون.

ولقيام هذه المسؤولية يستوجب توفر أركان معينة متمثلة في الخطأ التقصيري والضرر والعلاقة السببية
بينهما. وما يهمنا في عرضنا هذا هو الركن الأول المتمثل في الخطأ التقصيري الذي كان محط جدل و نقاش عميق لدى فقهاء القانون.

ففي ضل القانون الروماني لم يكن هناك مبدأ عام كما هو الشأن الأن يقضي بأن كل خطأ ينتج عنه ضرر يخول الحق في التعويض بل كانت هناك سوى أفعال محددة قانونا وحدها ينتج الإخلال بها المسؤولية، فلم تبرز فكرة الخطأ كأساس للمسؤولية إلا تدريجيا بحيث لم يكن الخطأ في أول الأمر مشترطا بل كان الضرر هو المعمول به، ثم بدأت فكرة الخطأ في الظهور مع مرور الأيام و إن كانت برزت بوضوح أكثر في أفعال الغش حتى غطت على فكرة الضرر.3

أما بالنسبة للقانون المدني الفرنسي فقد ذهب دوما في كتابه القوانين المدنية إلى “كل الخسائر والأضرار
التي تقع بفعل شخص سواء رجع هذا الفعل إلى عدم التبصر أو الخفة أو الجهل بما ينبغي معرفته أو أي خطأ مماثل، مهما كان هذا الخطأ بسيطا يجب أن يقوم بالتعويض عنها من كان عدم تبصره أو خطأه سببا في و قوعها”4 وكذلك تم تبنيه من خلال مدونة نابليون في الفصل 1283 قبل التعديل.

أما الفقه الإسلامي فقد عرف نظرية الضمان5 فقد قال خليل في مختصره “الضمان شغل ذمة أخرى بالحق” فالضمان عند الفقهاء لا يتحقق إلا بوجود ركنين الإعتداء والضرر6، لقد ذكر الفقه الإسلامي تطبيقات عديدة للقاعدة العامة فيما يتعلق بالفعل الضار، فتحدث عن إتلاف المال و الغصب، و الأفعال

الضارة التي تقع على النفس.7

وغني عن البيان أن المشرع المغربي تناول الخطأ التقصيري في القسم الأول من الفرع الرابع من الباب الثالث من قانون الإلتزامات والعقود المعنون بالإلتزامات الناشئة عن الجرائم و أشباه الجرائم وفق الفقرة الأخيرة من الفصل 78 التي تنص على “…والخطأ هو ترك ما كان يجب فعله، أو فعل ما كان يجب

الإمساك عنه، وذلك من غير قصد لإحداث الضرر”.

1 عبد الرحمان بن محمد إبن خلدون، المقدمة، المكتبة العصرية، الطبعة الأولى، صيدا-بيروت، 1995، ص46. 2 أنظر قصد الإطلاع على النقاش الدائر حول المسؤولية التقصيرية و العقدية، عبد القادر العرعاري، المسؤولية المدنية – مصادر الإلتزامات الكتاب الثاني-،مطبعة الأمنية الرباط، الطبعة الثالثة 2014، ص 7 و 8 . 3 عبد الرحمان مصلح الشرادي، الخطأ في المسؤولية المدنية التقصيرية الشخصية، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالرباط، ط الأولى سنة 2001، ص56 4 عبد الرحمان مصلح الشرادي، م س ، ص57 5 الشيخ خليل إبن إسحاق المالكي، مختصر خليل، دار الفكر للنشر و الطباعة و التوزيع، الطبعة الأخيرة 1981،ص209 6 وهبة الزحيلي، نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية و الجنائية في الفقه الإسلامي-دراسة مقارنة-، دار الفكر المعاصر بيروت لبنان، سنة 1998، ص 22 7 لجنة تقنين الشريعة الإسلامية بمجلس الشعب المصري برئاسة الأستاذ صوفي أبو طالب، قوانين الشريعة الإسلامية على المذاهب الأربعة، دار إبن رجب و دار الفوائد للطبع والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى، سنة 2013، ص 141

1

وتكمن أهمية هذا الموضوع في كونه يرتبط بجانب قانوني مهم متمثل في الأساس الذي تقوم عليه المسؤولية التقصيرية في ضل ق ل ع وبالإضافة إلى كون المشرع المغربي لم ينص بما فيه الكفاية عن كل ما يشمل الخطأ التقصيري، ومن جانب أخر إرتباط الخطأ التقصيري بالتعويض وجودا و عدما ولذلك يجب تحديده تحديدا دقيقا لإستحقاق المضرور للتعويض.

وعليه فما هي الأحكام العامة المؤطرة للخطأ التقصيري؟ وهل من الضروري وجود الخطأ التقصيري
لقيام المسؤولية التقصيرية ؟

ولتناول هذا الموضوع إرتأينا تقسيمه إلى مبحثين:

المبحث الأول : القواعد العامة للخطأ التقصيري

المبحث الثاني : الخطأ التقصيري بين النظرية الكلاسيكية والنظرية المعاصرة

عن safae wazani

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.