مبدأ تطهير الدفوع في الأوراق التجارية

فرضت التطورات التي عرفتها البيئة التجارية و معاملات
التجار المختلفة، نشوء أداة عملت على تجسيد النقود بصك أو ورقة ذات شكل خاص سميت بالورقة التجارية، وتبعا لذلك أصبح التعامل بهذه الورقة شبه ضروري لتعزيز الثقة بين التجار وتيسير الأعمال التجارية و استمراريتها و تفعيل التعاملات بينهم لكونها تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها النقود من حيث استخدامها كوسيلة للوفاء بالديون و الالتزامات فضلا عن كونها ترتكز أساسا

على الثقة والائتمان. وتخضع الأوراق التجارية لما يسمى بالقانون الصرفي وهي

سندات شكلية، مجردة تمثل قيمة نقدية وتكون قابلية للتداول عبر التظهير، وهي تمارس دورها في دنيا التجارة باعتبارها أداة وفاء وائتمان وأيضا وسيلة لتنفيذ عقد الصرف، و يعتبر مبدأ عدم الاحتجاج بالدفوع أو تطهير الورقة التجارية أحد أهم دعائم قانون الصرف رغم أنه أثر من آثار التظهير الناقل للملكية في الأوراق

التجارية. ومقتضى هذا المبدأ أنه يمنع على الملتزم الصرفي، سواء كان

قابلا، أو ساحبا، أو مظهرا، أو ضامنا احتياطيا أن يواجه حامل الورقة التجارية، بالدفوع المستمدة من علاقته الشخصية بالساحب أو بالحملة السابقين.

وقد أقر العرف هذه القاعدة قبل أن تتبناها مختلف التشريعات المقارنة، ويترتب على هذه القاعدة الفصل التام بين الروابط الأصلية التي كانت سببا لسحب الورقة التجارية والعلاقات الناشئة

على تداولها.

2

وقد جاءت هذه القاعدة كنتيجة ضرورية للصفة الشكلية للالتزام الصرفي من أجل أن يستطيع الحامل الشرعي المطالبة بالوفاء بالمبلغ المحدد في الورقة التجارية دون إمكانية الاحتجاج ضده بالدفوع غير تلك المتعلقة به شخصيا، وهي حصيلة لتطور تاريخي للقواعد الخاصة بالكمبيالة، وقد كللت بالنص عليها في قانون جنيف الموحد، الذي أخذ به المشرع المغربي بموجب ظهير 19 يناير 1939 ثم أعاد التنصيص عليها في مدونة التجارة

الجديدة رقم 15.95 سنة 1997. فمن من المعلوم أن إنشاء الورقة التجارية وتداولها يقيم

علاقات متعددة تختلف في مصدرها كما تختلف فيما يمكن أن تتجه من آثار.

فالكمبيالة مثلا تفترض عند بدء إنشائها وجود صلة بين الساحب والمسحوب عليه من ناحية والساحب والمستفيد من ناحية أخرى، وباعتبار أن عملية التظهير تعد النموذج الأمثل لتداول الكمبيالة، بطريقة تجارية صرفية، فهذه الاخيرة تكون عرضة للإنتقال من يد إلى يد ولا شك أن عملية التظهير تفترض هي الأخرى وجود علاقة بين المظهر والمظهر إليه المباشر، نفس الشيء بالنسبة لجميع التظهيرات اللاحقة، وفي هذه الحالة تتفوق العلاقة التعاقدية على العلاقة الصرفية القائمة بين الأطراف بمقتضى الورقة التجارية وتخضع في أحكامها للقواعد العامة من حيث ما يمكن أن يعترى نشوءها من أسباب البطلان أو ما قد يلم بها من مبررات الفسخ أو الانقضاء، فالالتزام الصرفي لا يتميز في نطاق هذه العلاقات على غيره من الالتزامات إلا فيما يتعلق ببعض صفاته واثاره وبالتالي فالمدعى عليه يستطيع ان يتمسك

بالدفوع المتصلة بعلاقته الشخصية بالحامل المدعي. و هكذا يتضح لنا أن من أبرز الأسباب التي من أجلها تم سن القاعدة الصرفية، هي حماية حسن النية الذي لا يعلم حقيقة العلاقة

3

التي تربط أطراف الرابطة الأصلية، وحماية المتعاملين بالورقة التجارية، عموما، من المفاجآت التي قد تعرقل الدور الذي أنيطت به هذه القاعدة، وهي أسباب ضمنت لها الرواج والثقة وجعلتها

تؤدي دورها الاقتصادي والتجاري كاملا.

ومن هنا تبرز إشكاليات هذا الموضوع سنبسطها على الشكل التالي.

إلى أي حد استطاعت قاعدة تطهير الدفوع حماية حامل حسن النية؟ وأي أثار لتمسك بهذه القاعدة بعد ميعاد الاستحقاق ؟ وهل نجحت في تشجيع وطمأنينة المتعاملين بالكمبيالة؟

للإجابة عن كل هذه الإشكاليات والتعمق أكثر في هذا الموضوع سنعمل على تحليله وإحاطته من كل الجوانب بإتباع هاته الخطة المحكمة والدقيقة، وبالتالي ارتأينا دراسته من خلال

مبحثين.

المبحث الأول: أساس قاعدة عدم التمسك بالدفوع وشروطها المبحث الثاني: نطاق تطبيق قاعدة عدم تمسك الدفوع

عن Younestc

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.