محاكمات عن بعد او التقاضي عن بعد بالمغرب في ضل جائحة كورونا

التقاضي عن بعد في المغرب او التقاضي “الرقمي” في المغرب هو موضع الذي سنتطرق له تحت عنوان التقاضي عن بعد بالمغرب في زمن الجائحة

يشهد العالم اليوم أزمة صحية بسبب وباء كورونا المسبب لمرض كوفيد 19 الذي وصفته المنظمة العالمية للصحة بالجائحة، هذه الأخيرة أحدثت تغيرا جذريا في كل مناحي الحياة سواء الاجتماعية منها أو الاقتصادية.

وتأسيسا على ذلك  بادرت المملكة المغربية إلى إدخال تغييرات على نظام العمل داخل الدولة وملاءمته مع الحالة الوبائية للبلاد،  وذلك بإقرار حالة الطوارئ الصحية وفرض الحجر الصحي على المواطنين والمواطنات بغية محاصرة الوباء والحفاظ على صحة الجميع على حد سواء.

غير أن حفظ الصحة باعتباره واجبا على الدولة وحقا من حقوق الإنسان لا ينبغي أن يكون على حساب حقوق أخرى حيوية لا يمكن التضحية بها حتى في ظل هذه الوضعية الاستثنائية كحق التقاضي والحق في التعليم…،  الأمر الذي فرض على الجهات الوصية  التفكير في أليات تسمح باستمرار التمتع بهذه الحقوق بشكل ينسجم والحفاظ على السلامة الجسدية والصحية للعمومية.

وعلى إثر ذلك تم اتخاذ مجموعة من التدابير الاحترازية من ذلك مثلا توقيف الدراسة بجميع الأقسام والفصول وتعويض الدروس الحضورية بدروس عن بعد[1]، وتعليق الجلسات بالمحاكم باستثناء الجلسات المتعلقة بقضايا المعتقلين، والجلسات المتعلقة بالبث في القضايا الاستعجالية، وقضاء التحقيق[2].

لعل ما يعنينا في هذا السياق هو قرار تعليق الجلسات بالمحاكم الذي استتبعه اعتماد نظام التقاضي عن بعد باستعمال الوسائط الإلكترونية كألية بدلية للمحاكمات العادية في ظل هذه الجائحة، حيث أنه قبل هذه الأخيرة وإن كان التقاضي عن بعد باستعمال الوسائل التكنولوجية قد فرضته الثورة المعلوماتية إلا أنه كان خيارا يمكن الاستغناء عنه مادام التقاضي بغير هذه الوسائل متاحا.

ولا يخفى على أحد أهمية هذا الموضوع وراهنيته  في ظل هذه الظرفية الاستثنائية لما لإمكانية اعتماد التقاضي عن بعد من دور أساسي في الحفاظ على الصحة العمومية من  جهة  وصيانة حقوق الأفراد من جهة أخرى لا سيما المعتقلين والأشخاص الذين يواجهون وضعية نزاع تتسم بالطابع الاستعجالي، بل إن أهمية هذا الموضوع تزداد إذا علمنا أن جائحة كورونا وما خلفته من إكراهات قد تكون الفرصة المواتية  لتحديث قطاع العدالة من خلال تسريع تزيل ورش المحكمة الرقمية ما بعد الجائحة.

إن هذا الموضوع يثير إشكالية في غاية الدقة والأهمية تتعلق أساسا بمدى قدرة اعتماد نظام التقاضي عن بعد على خلق نوع من التوازن ما بين ضمان استمرارية الخدمات القضائية وتعزيز الأمن الصحي في نفس الوقت؟

إن الإجابة عن هذه الإشكالية تتطلب أن نتناول الموضوع من زاويتين على الشكل التالي:

المطلب الأول: دور التقاضي عن بعد في تعزيز الأمن الصحي

المطلب الثاني: التقاضي عن بعد بين ضرورة الاعتماد وإكراهات التنزيل

 

المطلب الأول: دور التقاضي عن بعد في تعزيز الأمن الصحي

في البداية لا بد لنا من الوقوف على المفاهيم الأساسية قصد استجلاء الدور الذي يلعبه اعتماد نظام التقاضي عن بعد في تعزيز الأمن الصحي ويتعلق الأمر بمفهوم التقاضي عن بعد ومفهوم الأمن الصحي.

إذ  يقصد بالأول أي التقاضي عن بعد : نظام يتم بمقتضاه تطبيق كافة إجراءات التقاضي بواسطة أجهزة الحاسوب المرتبطة بشبكة الأنترنيت ، بينما يقصد بالثاني أي الأمن الصحي: اتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها المحافظة على الصحة العامة[3].

انطلاقا من هذين التعريفين فإن السؤال التي ينبغي طرحه يتعلق بتحديد الجهة المسؤولة عن تحقيق الأمن الصحي والمحافظة على الصحة العمومية؟

في سياق الإجابة عن هذا التساؤل، فإنه قد يعتقد البعض بأن وزارة الصحة هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن الأمن الصحي، حقيقة أن لهذه الأخيرة دور أساسي وفعال في تحقيقه ، لكن ليست مسؤوليتها وحدها بل مسؤولية كل القطاعات داخل الدولة (الأمن، السلطة الإدارية، السلطة القضائية…)، ولعل هذا ما جعل السلطة القضائية بكل مكوناتها تنخرط في تعزيز الأمن الصحي من خلال العديد من الإجراءات الاحترازية التي تبنتها، كاعتماد المحاكمة عن بعد في قضايا المعتقلين عبر تقنية فزيون كونفيغونس التي تتيح الاستماع إلى المتهمين من داخل المؤسسات السجنية من قبل القضاة والمحامين في مختلف محاكم المملكة.

وعليه يظهر الدور الذي يلعبه اعتماد المحاكمة الجنائية عن بعد في تعزيز الأمن الصحي من خلال:

أولا: تفادي تفشي  الوباء داخل المؤسسات السجنية والحيلولة دون جعل هذه الأخيرة بؤرا لانتشار للوباء،  وبلغة الأرقام التي كشف عنها المجلس الأعلى للسلطة القضائية فإنه استفاد من المحاكمات عن بعد 5216 معتقل[4].

ثانيا: المحافظة على الصحة والسلامة الجسدية للقضاة والمحامين والمتقاضين.

ثالثا: اعتماد التقاضي عن بعد يندرج ضمن الإجراءات الوقائية، ولا شك أن الوقاية في هذه الظرفية من وباء كوفيد 19 تبقى خير وسلية لمحاصرته، خاصة إذا علمنا أن العالم لا يزال إلى حد اليوم يتسابق مع الزمن لإيجاد لقاح ضد هذا الوباء وأنه لا يوجد دواء مباشر للقضاء عليه.

المطلب الثاني: التقاضي عن بعد ما بين ضرورة الاعتماد وإكراهات التنزيل

إن الدعوة إلى اعتماد التقاضي عن بعد ووضع أسس المحكمة الرقمية المنفتحة على محيطها  وعلى المتقاضين والتعميم التدريجي لاستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في إدارة المحاكم وفي علاقتها بالمتقاضيين والمهنيين، تعد من بين أهم ثمرات ميثاق إصلاح منظومة العدالة،  كما أن جلالة الملك محمد السادس دعى في رسالته الموجهة إلى المشاركين في الدورة الثانية للمؤتمر الدولي للعدالة بمراكش إلى ”…استثمار ما توفره الوسائل التكنولوجية الحديثة من إمكانيات نشر المعلومة القانونية والقضائية، وتبني خيار تعزيز وتعميم لا مادية الإجراءات والمساطر القانونية والقضائية، والتقاضي عن بعد، باعتبارها وسائل فعالة تسهم في تحقيق السرعة والنجاعة، وذلك انسجاما مع متطلبات منازعات المال والأعمال، مع الحرص على تقعيدها قانونيا، وانخراط كل مكونات منظومة العدالة في ورش التحول الرقمي…”[5]

غير أن تنزيل المحكمة الرقمية باعتباره من الأوراش الإصلاحية الكبرى التي تشتغل عليها وزارة العدل وكل المتدخلين، لا يزال متأخرا بعض الشيء، حقيقة قامت بوزارة العدل بمجموعة من الإجراءات الهادفة إلى تنزيل هذا الورش وذلك عبر توفير بعض الخدمات القضائية عن بعد مثلا(خدمة الاطلاع على مال طلبات السجل العدلي، خدمة تتبع القضايا، خدمة الخريطة القضائية، خدمة السجل التجاري…)، لكن ذلك لا يرقى إلى مفهوم المحكمة الرقمية أو التقاضي عن بعد.

وفي سياق الحديث عن جائحة كورونا التي أجبرت الدولة على تقييد الحركة في البلاد من خلال سنها لأحكام حالة الطوارئ الصحية، فإنه تقرر تبعا لذلك تعليق الجلسات بالمحاكم كما سبقت الإشارة، وفي سابقة فرضتها الظرفية الاستثنائية فإنه تم اعتماد التقاضي عن بعد لا سيما في المحاكمة الجنائية كألية وتدبير احترازي يروم الحفاظ على صحة المعتقل و أسرة العدالة.

ذلك أن القوة الدافعة إلى تنزيل نظام التقاضي عن بعد هي الحاجة إلى استمرارية سير القضايا المعروضة على أنظار محاكم المملكة التي لا يتصور سيرها العادي دون اعتماد هذا النظام الذي يتماشى والتباعد الاجتماعي الذي يساعد على إبطاء إنتشار كوفيد 19.

في مقابل ضرورة اعتماد التقاضي عن بعد  الذي أعطيت انطلاقته الرسمية يوم 27 أبريل، فإن تنزيله قد واجهته العديد من الصعوبات والإكراهات يمكن إجمالها في:

أولا: اقتصار نظام التقاضي عن بعد على المحاكمات الجنائية، هذا الذي سيلقي بضلاله على ما بعد جائحة كورونا حيت سيكون هناك تراكم القضايا على المحاكم مما سيؤثر سلبا على الزمن القضائي.

ثانيا: غياب إطار قانوني منظم للتقاضي عن بعد بصفة عامة والتقاضي عن بعد في المحاكمات الجنائية بصفة خاصة قد ينتج عنه المساس بحقوق المعتقل لا سيما حقه في محاكمة عادلة[6].

ثالثا: نقص الوسائل التقنية[7].

رابعا: إذا علمنا أن المحاكمة الجنائية عن بعد تتم عبر الاتصال بحاسوبين مرتبطين بشبكة الأنترنيت، فإن ضعف صبيب هذا الأخير قد يكون سببا في قطع المحاكمة.

خامسا: غياب تكوين الأطر الساهرة على تنفيذ المحاكمة عن بعد في مجال استخدام برنامج نظام السمعي البصري وبصفة عامة في مجال استخدام التكنلوجيا في الميدان القضائي.

في ختام تحليلنا لهذا الموضوع، فإنه توصلنا للعديد من الاستنتاجات يمكن اختزالها في:

  • على الرغم من كل الانتقادات التي وجهت لاعتماد التقاضي عن بعد في المحاكمة الجنائية لا سيما تلك المرتبطة بإمكانية المساس بشروط المحاكمة العادلة وغياب إطار تشريعي منظم لهذه المحاكمة التي تتم عن بعد ، فإن الحق يقال لا خيار لنا اليوم سوى اعتماد هذه الألية التي فرضتها إكراهات حالة الطوارئ الصحية.
  • لقد حقق اعتماد التقاضي عن بعد في المحاكمة الجنائية نتائج يمكن وصفها بالمشرفة.
  • إن اللجوء إلى المحاكمة الجنائية عن بعد تتم بعد موافقة المعتقل، ما ينتج عن ذلك من أن رفض هذا الأخير محاكمته عن بعد يفرض بالضرورة تأجيل محاكمته إلى ما بعد الجائحة واستئناف الجلسات بمحاكم المملكة.
  • إن عدم مواكبة التشريع للتطورات الحاصلة في ميدان تكنلوجيا الاتصال وإدماجها في المجال القضائي قد جعل الخدمات القضائية متوقفة حينما حلت هذه الجائحة ببلادنا اللهم في القضايا التي أشرنا لها في المقدمة.
  • رب ضارة نافعة، لعل هذه الجائحة قد تكون سببا في التنزيل الكلي لورش المحكمة الرقمية.

 

الإحالات

[1]  أنظر البلاغ الصحفي لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحت العلمي بشأن توقيف الدراسة انطلاقا من يوم الاثنين 16 مارس 2020.

[2]  أنظر البلاغ المشترك (وزير العدل، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض –رئيس النيابة العامة-) بشأن تعليق انعقاد الجلسات بمختلف محاكم المملكة ابتداء من يوم الاثنين  16 مارس 2020.

[3]  الأمن الصحي: أحد مفاهيم الدراسات الأمنية الدولية، مقال منشور  بالموقع الالكتروني www .politics-dz .com  تم الاطلاع عليه بتاريخ 7/05/2020.

[4]  أنظر بلاغ المجلس الأعلى للسلطة القضائية ليوم الثلاثاء 12 ماي 2020  بشأن حصيلة أسبوعين من التقاضي عن بعد.

[5]   مقتطف من نص الرسالة التي وجهها جلالة الملك إلى المشاركين في الدورة الثانية للمؤتمر الدولي للعدالة  بمراكش تحت شعار ”العدالة والاستثمار، التحديات والرهانات”

[6]  يمكن الاطلاع على: يونس العياشي، المحاكمة العادلة بين النظرية والتطبيق على ضوء المواثيق والمعاهدات الدولية والعمل القضائي، المعهد العالي للقضاء سلسلة رسائل نهاية تدريب الملحقين القضائيين، العدد 4، يناير 2012.

[7]  نقص الوسائل التقنية لا يعني العدم، فقد تم اتخاد مجموعة من التدابير حيت تم إلى غاية 27 أبريل 2020 إنشاء 173 حساب لفائدة المستعملين من أجل الولوج  إلى النظام، 95 حساب بفائدة محاكم المملكة، و78  حساب لفائدة المؤسسات السجنية المعنية.

أنظر بشأن التدابير التقنية المتخذة الموقع الالكتروني لوزارة العدل www.justice.gov.

 

 

عن Younestc

تعليق واحد

  1. موضووع رااااااائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: