مستجدات قانون الكراء التجاري الجديد.

المبادئ التوجيهية في قانون الكراء التجاري رقم 16ـ49.
بتاريخ 11 غشت 2016 نشر بالجريدة الرسمية عدد 6490 القانون رقم 16ـ49 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري و الصناعي و الحرفي الذي نسخ ظهير 24 ماي 1955 بعد عقود من انتظار المراجعة التشريعية لقانون شغل بال الباحثين القانونيين و عرف تضاربا في التفسير و التطبيق القضائي و نقاشا حادا بين أنصار الملكية العقارية و المدافعين عن الملكية التجارية.
و إذا كان من الصعب القول بأن التنظيم التشريعي الجديد قد أعاد التوازن المفقود بين حقوق مالكي العقارات و مكتريها لأغراض تجارية لأن هذه غاية مثالية و نظرية أكثر منها حقيقة واقعية بالنظر إلى صعوبة محاربة ظاهرة المضاربة العقارية بشكل عام فإنه لا بد من ملاحظة أن القانون الجديد حاول جهد الإمكان تفادي سلبيات القانون القديم بتبنيه مبادئ توجيهية واضحة تهدف إلى حماية الأمن التعاقدي و توسيع نطاق الاستفادة و تبسيط مساطر التقاضي و الدفع نحو تشجيع مالكي الأصول التجارية على التصريح الضريبي و عدم إيقاف النشاط التجاري و حمايتهم من تعسف مالكي الرقبة. و في كل ذلك حاول المشرع أن يستفيد من الحلول التي ابتكرها الاجتهاد القضائي لتجاوز نقص النصوص القانونية أو غموضها أو وضع حد لتضارب العمل القضائي تحقيقا لأهداف الأمن القانوني و القضائي.
تأسيسا على ما ذكر سوف نحاول مقاربة قانون الكراء التجاري الجديد من خلال المبادئ التوجيهية التالية في أفق إعداد دراسة تفصيلية و شاملة لمقتضيات القانون المذكور. و قد ارتأينا تقسيم الموضوع كالآتي:
المبحث الأول: توسيع مجال الاستفادة من قانون الكراء التجاري.
المبحث الثاني: تبسيط الإجراءات و المساطر القضائية.
المبحث الثالث: حماية الأمن التعاقدي و تشجيع الشفافية الضريبية.
المبحث الرابع: حماية المكتري من تعسف مالك العقار.
المبحث الخامس: تعزيز الأمن القانوني و القضائي.

المبحث الأول: توسيع مجال الاستفادة من قانون الكراء التجاري.
وسع قانون 16ـ49 من نطاق تطبيقه من خلال تعداد نوع الأملاك العقارية و المحلات موضوع عقد الكراء التجاري، هكذا يشمل تطبيق القانون حسب المادة الأولى منه:
1ـ عقود كراء العقارات أو المحلات التي يستغل فيها أصل تجاري في ملكية تاجر أو حرفي أو صانع و المحلات الملحقة بها.
2ـ عقود كراء الأراضي العارية التي شهدت بنايات لاستغلال أصل تجاري بشرط الموافقة الكتابية للمالك.
3ـ عقود كراء العقارات أو المحلات المندرجة ضمن الملك الخاص للدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية إذا لم تكن مرصودة لمنفعة عامة.
و زيادة في التوضيح و رفعا لكل لبس وسع المشرع نطاق الاستفادة من قانون الكراء التجاري ليشمل المحلات التي تمارس فيها مؤسسات التعليم الخصوصي نشاطها و كذا المصحات الخاصة و المؤسسات المماثلة لها و المقاولات الصيدلية و المختبرات الخاصة بالتحاليل البيولوجية و الطبية و عيادات الفحص بالأشعة و كذا المحلات التي تمارس فيها التعاونيات نشاطا تجاريا. و يلاحظ أنه إذا كان القضاء كان قد درج على اعتبار نشاط الصيدلي نشاطا تجاريا لكونه يقوم على عمليات الشراء من أجل البيع و بالتالي أخضع نشاطه لمفهوم الاستغلال التجاري المشمول بحماية ظهير 1955 فإن الأمر لم يكن بتلك السهولة بالنسبة للمصحات الطبية أو المؤسسات التعليمية بحيث كان يصعب على القضاء أن يشملها بحماية ظهير 1955 لكون النشاط التعليمي و الطبي يعتبر نشاطا فكريا لا تجاريا خاصة مع وجود حالات التنافي لممارسة التجارة من طرف رجال التعليم و الأطباء باستثناء إذا ما تمت ممارسة النشاط في إطار شركة تجارية. نفس الأمر كان ينطبق على التعاونيات لأن الأصل أنها لا تسعى إلى الربح شأنها شأن الجمعيات. إلا أن القانون الجديد استوعب حجم الاستثمار الذي أصبحت تشكله المقاولة التعليمية و الصحية و التعاونية و رغبة منه في تشجيع هذه الاستثمارات أخضعها لنفس مقتضيات حماية الأصول التجارية و لو كان النشاط الممارس لا يندرج ضمن الأنشطة التجارية وفق مفهوم المواد 6 و 7 و 8 و 9 من مدونة التجارة. فهل هي بداية التماهي بين مفهوم الأصل التجاري و الأصل المهني؟ و هل سوف يعتمد القضاء القياس لتوسيع دائرة تطبيق القانون الجديد على مهن حرة أخرى غير التعليم و الصحة؟
في مقابل ذلك كان القانون الجديد صارما في استثناء العقارات المندرجة ضمن الملك العام للدولة و كذا تلك التي تدخل ضمن الملك الخاص للدولة إذا كانت مرصودة لمنفعة عامة و العقارات المملوكة للأوقاف و العقارات المكراة بناء على أمر قضائي . و مع ذلك يحق لنا أن نتساءل عن معايير المنفعة العامة بالنسبة للملك الخاص للدولة هل يتعلق الأمر بمجرد تصريح للإدارة بأن العقار المعني مخصص للمنفعة العامة أم يتعلق الأمر بالعقارات المنزوعة ملكيتها من أجل المنفعة العامة؟ و هل للقضاء رقابة على معيار المنفعة العامة؟ و فيما يخص العقارات التي تدخل في نطاق الأوقاف نعتقد أنه كان على المشرع أن يكون أكثر تحديدا و تدقيقا بالتنصيص على العقارات المندرجة ضمن الأوقاف العامة دون الأوقاف الخاصة ، فمن جهة فإن إدارة الأوقاف تسير فقط الحبس العام دون الخاص و من جهة ثانية فإن رغبة المحبس في الحبس العام تنصرف إلى غاية خيرية أو منفعة عامة على خلاف الحبس الخاص الذي ينصرف إلى انتفاع شخص معين أو عقب معين.
و من بين الاستثناءات التي نص عليها القانون الجديد حرمان المحلات التجارية المشيدة ضمن مركز تجاري له شعار موحد. و يظهر أن المشرع رجح كفة و مصلحة المركز التجاري ذي الشعار الموحد على حساب مكتري المحلات التجارية الذين يمارسون أنشطتهم ضمن مجاله و تحت تسييره العام . و هو نفس الباعث الذي جعل المشرع يحرم مكتري العقارات و المحلات الذين يمارسون أنشطتهم بالفضاءات المخصصة لاستقبال مشاريع المقاولات التي تمارس نشاطها بقطاعي الصناعة و تكنولوجيا المعلومات.
و قد كرس القانون الجديد استثناء الأكرية التي تندرج ضمن الحقوق العينية العقارية كالكراء الطويل الأمد و عقود الائتمان الإيجاري العقاري باعتبارها حقوقا تتمتع بحماية قانونية بمقتضى نصوص تشريعية خاصة.
المبحث الثاني: تبسيط الإجراءات و المساطر القضائية.
يعتبر تبسيط الإجراءات شبه القضائية و كذا المساطر القضائية من بين المبادئ الناظمة لعملية تسهيل الولوج إلى العدالة. و قد كان ظهير 24 ماي 1955 يتميز بتعقيد إجراءات تجديد و فسخ عقد الكراء التجاري بدءا من توجيه الإنذار مرورا بسلوك مسطرة الصلح و انتهاء بدعوى المنازعة و التعويض أو دعوى الفسخ و الإفراغ، و كان الطرف المكتري يعاني كثيرا من تعقيد الإجراءات و آجالات سقوط الحق بالإضافة إلى إرغامه على اللجوء إلى القضاء بدلا من إلزام الطرف الذي له مصلحة في الإفراغ بذلك و هو المكري.
هكذا إذن كان المكتري ملزما بسلوك مسطرة الصلح أمام رئيس المحكمة المختصة داخل أجل ثلاثين يوما من توصله بالإنذار، كما كان ملزما برفع دعوى المنازعة في الإنذار أو المطالبة بالتعويض داخل أجل ثلاثين يوما من تاريخ تبليغه بمقرر فشل الصلح . كل ذلك تحت طائلة سقوط حقه و اعتباره محتلا بدون سند.
على خلاف ذلك تعامل القانون الجديد بمرونة مع المكتري المواجه بالإنذار بالإفراغ بحيث ألزم المكري برفع دعوى المصادقة على الإنذار في حالة عدم استجابة المكتري لمضمونه داخل أجل ستة أشهر من تاريخ انتهاء الأجل المحدد في الإنذار تحت طائلة السقوط حسب المستفاد من المادة 26. فإذا انصرم الأجل المذكور كان المكري ملزما بتوجيه إنذار جديد حتى يتمكن من رفع دعوى جديدة للمصادقة على الإنذار.
و يفهم من خلال هذه المقتضيات أن المكتري غير ملزم برفع دعوى المنازعة في الإنذار و إنما بإمكانه أن يكتفي بالجواب و الدفع ببطلان الإنذار إما لأسباب شكلية أو لأسباب موضوعية، و لا يلزم برفع الدعوى إلا إذا تعلق الأمر بطلب التعويض عن الإفراغ الذي يمكن أن يأتي في شكل طلب مقابل أثناء سريان دعوى المصادقة أو دعوى مستقلة شريطة تقديمها داخل أجل لا يتعدى ستة أشهر من تاريخ تبليغه الحكم النهائي القاضي بالإفراغ.
غير أنه من إيجابيات مسارعة المكتري برفع دعوى التعويض قبل صدور حكم نهائي بالإفراغ تفعيل حقه في تعطيل إجراءات تنفيذ الحكم بالإفراغ إلى حين توصله بالتعويض المحكوم به طبقا لمقتضيات المادة 27 من القانون رقم 16ـ49.
و من جانب الطرف المكري نظم قانون الكراء التجاري لأول مرة مسطرة خاصة لاسترجاع حيازة المحلات المهجورة أو المغلقة. فبعدما كان العمل القضائي الاستعجالي يعالج الأمر في إطار ما عرف بمسطرة فتح محل في الحالة التي يدعي فيها المكري هجر المكتري للمحل لمدة معينة ــ و هو ما كان يفرض على رئيس المحكمة بوصفه قاضيا للمستعجلات إصدار أمر بفتح المحل و استرجاع حيازته مؤقتا بعد التأكد من واقعة الهجر و الإغلاق في إطار القواعد العامة للقضاء الاستعجالي ــ فإن القانون الجديد حاول استدراك الفراغ التشريعي في الموضوع و نظم هذه المسطرة بوضع شروط معينة لتقديم الدعوى و تحديد الاختصاص و الآثار. لكن الجديد في الموضوع أن هذه المسطرة يمكن أن تصبح تمهيدا لفسخ عقد الكراء بصفة نهائية بدلا من اعتبارها مجرد استرجاع مؤقت للحيازة إذا استمرت غيبة المكتري لمدة لا تقل عن ستة أشهر من تاريخ تنفيذ الحكم الاستعجالي القاضي بفتح المحل. و بذلك يتبين توجه المشرع الواضح نحو حرمان المكتري المتوقف عن استغلال الأصل التجاري من الحماية المقررة للملكية التجارية. و هذا بخلاف ما استقرت عليه محاكم الموضوع و محكمة النقض سابقا من تقرير حق المكتري المواجه بمسطرة فتح محل في الرجوع إلى محله مهما طالت مدة الإغلاق و التوقف عن الاستغلال ما دام أن المسطرة المذكورة لا يترتب عنها فسخ عقد الكراء أو إنهاءه الذي لا يثبت إلا باتباع مسطرة الإفراغ طبقا للفصلين 6 و 27 من ظهير 24 ماي 1955 التي كانت تعتبر من النظام العام .
المبحث الثالث: حماية الأمن التعاقدي و تشجيع الشفافية الضريبية.
ربط القانون الجديد استفادة المكتري من بعض المقتضيات الحمائية بضرورة التقيد بقواعد الكتابة و الإشعار و ضبط المحاسبة و الالتزام بالتصاريح الضريبية.
أولا: التقيد بقواعد الكتابة.
نصت المادة الثالثة على أن عقود كراء العقارات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي تبرم وجوبا بمحرر كتابي ثابت التاريخ. فما معنى الوجوب؟ و هل الكتابة شكلية إثبات أم انعقاد؟ أم أنها شرط ضروري لاكتساب الحق في الكراء كعنصر معنوي من عناصر الأصل التجاري.
بداية نذكر بأن الأصل في العقود هو الرضائية إلا إذا اشترط القانون إفراغ العقد في شكل معين. و بالنظر إلى خلو قانون الكراء التجاري من شرط مماثل فضلا على أنه نص في مادته 37 بأن الأكرية التي لا تتوفر فيها الشروط المنصوص عليها في الباب الأول تخضع لمقتضيات قانون الالتزامات و العقود ـ ، فإن مؤدى ذلك أن عقود الكراء التجاري غير المكتوبة تعتبر صحيحة بدليل خضوع تنظيمها لقانون الالتزامات و العقود الذي لا يشترط الكتابة. كما يتبين أيضا أن الكتابة لم تشترط للإثبات ما دام أنه لا يوجد نص بذلك فيخضع الإثبات للقاعدة المنصوص عليها في المادة 334 من مدونة التجارة في باب العقود التجارية التي نصت على خضوع المادة التجارية لحرية الإثبات و كذا المادة 628 ق ل ع التي نصت على أنه يتم الكراء بتراضي طرفيه على الشيء و على الأجرة و على غير ذلك مما عسى أن يتفقا عليه من شروط في العقد . كل ما هنالك أن المكتري الذي لا يتوفر على محرر كتابي ثابت التاريخ يحرم من الحق في تجديد عقده و ما يقابله من حق التعويض حسب ما ورد في المادة 6 من نفس القانون التي نصت على أنه: ٌ يكون المكتري محقا في تجديد عقد الكراء متى توفرت مقتضيات الباب الأول من هذا القانونٌ. و بالرجوع إلى مقتضيات الباب الأول نجد من بينها المادة الثالثة التي اشترطت ورود العقد في محرر كتابي ثابت التاريخ .
كذلك تعتبر الكتابة ضرورية للاحتجاج ببعض الشروط سواء من جهة المكتري أو من جانب المكري، فلكي يحتج المكتري بحقه في تغيير النشاط التجاري أو بحقه في الحصول على الاستفادة من تجديد العقد دون إثبات انتفاعه لمدة سنتين على الأقل أو بحقه في الحصول على تعويض عن الإفراغ يعادل على الأقل المبلغ المدفوع لشراء الحق في الكراء لا بد أن يضمن المكتري الحقوق المذكورة كتابة في عقد الكراء أو في عقد منفصل ــ انظر المواد 22 و 4 و 7 على التوالي ــ.
و من جانب المكري فإنه لا يمكنه أن يحتج على المكتري ببعض الشروط ما لم يتم التنصيص عليها عقدا كالمنع من الكراء من الباطن أو إلزام المكتري بتحملات إضافية مستقلة عن السومة الكرائية أو الاحتجاج بالشرط الفاسخ المرتبط بعدم أداء الكراء ــ انظر المواد 24 و 5 و 33 على التوالي ــ.

Www.labodroit.com

عن safae wazani

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.