نظرية استغلال الضعف او الجهل لدى المستهلك – حماية المستهلك

مقدمة
تتعدد وسائل حماية الطرف الضعيف في إطار العلاقة العقدية ، خصوصا إذا كان هذا العقد ذو طبيعة استهلاكية ، لكون المستهلك في هذه العقود لا يمتلك قوة وخبرة الطرف المهني أو المورد.
ومن بين هذه الوسائل الالتزام بالإعلام ، الحماية من مخاطر الإشهار ، ضمان عيوب الشيء المبيع ،…، ونحن هنا سنقتصر على وسائل المتعلقة بالرضى كركن أساسي من أركان العقد ، وبالخصوص نظرية استغلال الضعف أو الجهل لدى المستهلك.
وفي إطار رفع الالتباس عن المفاهيم الأساسية لهذا الموضوع ، فإن النظرية تعرف بالتصورات أو الفروض أو التفاسير التي توضح الظواهر الاجتماعية كالظاهرة القانونية مثلا[1].
أما الاستغلال يفيد في اللغة الاستفادة أو الاستئثار ، وفي الاصطلاح القانوني هو تلك الحالة التي يضطر فيها الشخص الى إبرام تصرف قانوني تحت وطأة الحاجة أو المرض أو نقص التجربة[2].
أما الضعف في اللغة فهو الهزل أو المرض وذاهب القوة والصحة وهو ضد القوة[3] ، وفي معجم لاروس فهو،” ذلك الطرف الذي تنقصه القوة أو القوة الجسمية أو المعنوية” ، وفي الاصطلاح القانوني فأغلب التشريعات بما فيها المغربي لم تعرف الضعف – عادة ما يتكلف الفقه والقضاء بهذا تعريف – وإنما قرنته بالهوى الجامح والطيش البين و…[4] ، وعموما فالضعف هو نقص المؤهلات الجسمية أو النفسية أو التقنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
وعليه تتلخص حالات الضعف في أربع حالات : المادي والمعنوي والجسماني والتقني[5] ، وإن كان أحد الباحتين قد حدد هذه الحالات في : المرض وضعف الإدراك و الحاجة الماسة و الطيش البين و الهوى الجامح[6].
أما الجهل في اللغة فهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه وهو ضد المعرفة[7] ، والجهل على ثلاثة أضرب : الأول هو خلو النفس من العلم وهذا هو الأصل ، الثاني اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه ، الثالث هو فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سوء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أم فاسدا[8] ، أما من الناحية القانونية فإن أغلب التشريعات بما فيه المغربي لم تعرف الجهل ، وإنما حددت حالاته في : الجهل بالقراءة والكتابة وعدم الخبرة أو عدم المعرفة[9].
ونظرية استغلال الضعف أو الجهل ليست وليدة اليوم ، إنما ترجع أصولها الى فكرة التعاقد ككل ، وتطورت تبعا لتطور العقد ، أما في المغرب فإن العقد كان يخضع قيل الحماية لقواعد الفقه الإسلامي ، الى أن صدر ظ ل ع سنة 1913 الذي أسس لنظرية عيوب الإرادة بمقتضى الفصول من 39 الى 56 ، وحماية المتعاقدين الأميين في الفصل 427 ، ونظرية استغلال المقترض في الفصل 878.
أما مجموعة القانون الجنائي الصادرة سنة 1962 ، فقد خصصت لضحية الاستغلال حماية جنائية بمقتضى الفصل 552 ، إلا أن نظرية استغلال الضعف أو الجهل خصها القانون رقم 08.31[10] القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك بنص صريح هو المادة 59 ، حيث نصت ” يقع باطلا بقوة القانون كل التزام نشأ بفعل استغلال ضعف أو جهل المستهلك مع حفظ حقه في استرجاع المبالغ المؤداة من طرفه وتعويضه عن الأضرار اللاحقة”[11] ، والمادة 184 من نفس القانون كرست الحماية الجنائية للمستهلك من استغلال ضعفه أو جهله.
تبرز أهمية هذا الموضوع من خلال التنصيص المقتضب على هذه النظرية في أطار قانون رقم 08.31 ، كما أنها تختلط بمفاهيم مشابهة مثل عيوب الإرادة ، وأثارها ترتبط بنظرية البطلان والإبطال.
أما على الجانب العملي فإن درجة استغلال الضعف أو الجهل تختلف من مستهلك إلى أخر ، كما أن القضاء لم يتفاعل مع هذه النظرية منذ صدور القانون إلى يومنا هذا في حدود ما تيسر لنا الاطلاع عليه من العمل القضائي ، لربما الأمر يرتبط يضعف الثقافة القانونية للمستهلكين.
وعليه يمكننا طرح الإشكالية التالية : إلى أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال تنظيمه نظرية استغلال ضعف أو جهل المستهلك تحقيق التوازن بين طرفي العقد الاستهلاكي ؟ التي يمكن تفكيكها إلى الأسئلة التالية :
–       كيف نشأة وتطورة نظرية استغلال ضعف أو جهل المستهلك؟
–       وما هو مضمونها؟
–       وما هي الجزاءات المترتبة عنها؟
–       وما هي الإشكاليات التي تطرحها؟

المبحث الأول : تأصيل نظرية استغلال الضعف أو الحهل في إطار القواعد العامة

سنحاول الوقوف في هذا المبحث على نشأة وتطور نظرية استغلال الضعف أو الجهل في علاقتها بالقواعد العامة المنظمة للإرادة كركن أساسي في التعاقد بوجه عام والتعاقد الاستهلاكي بالأخص ، وذلك من خلال معالجة كلا من الضعف والجهل في قواعد صحة التراضي.
المطلب الأول : موقع الضعف في صحة التراضي
يشترط لصحة التراضي كركن في العقد أهلية المتعاقد من جهة ، وخلو الإرادة من عيوبها من جهة أخرى ، وعليه سنحاول مناقشة ما مدى اعتبار عدم الأهلية ضعفا ؟ وهل في عيوب الإرادة ما يعتبر ضعف ؟
الفقرة الأولى : مدى اعتبار عدم الأهلية ضعفا
الأهلية بصورة عامة هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات[12]، وبناءا عليه فالأهلية نوعان : أهلية الوجوب هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الواجبات التي يحددها القانون ، وهي ملازمة له طول حياته ولا يمكن حرمانه منها[13] ، وأهلية الأداء هي صلاحية الشخص لممارسة حقوقه الشخصية والمالية ونفاذ تصرفاته ، ويحدد القانون شروط اكتسابها وأسباب نقصانها أو انعدامها[14].
وهكذا يتضح أن الأصل في الشخص هو كمال الأهلية أما النقصان والانعدام فهو عارض واستثناء سواء كان ذلك راجعا لعامل السن أو العقل أو الحكم بعقوبة جنائية تستدعي تجريد المحكوم عليه من حقوقه المدنية بما في ذلك سحب الاهلية المدنية[15].
وحالتي انعدام الأهلية ونقصانها[16] ، هي التي تثير إمكانية توفر الضعف عند المتعاقد ، نظر لكون المتعاقد فيهما تتحقق فيه مقومات الضعف ، من قلة الخبرة أو انعدامها من الناحية العقلية أو النفسية أو التقنية …
اقرا ايضاأجراءات التسجيل والالغاء القانونية بضريبة القيمة المضافة
نموذج استرشادى لمحضر استلام وحده
نموذج استرشادى لايصال استلام قسط
نموذج توكيل باستلام الصيغة التنفيذية والسير فى اجراءات تنفيذ حكم التعويضات
الفقرة الثانية : مدى اعتبار عيوب الإرادة ضعفا
من المعلوم أن عيوب الإرادة تتوزع إلى : الغلط والتدليس والإكراه والغبن التي تطرق إليها المشرع في الفصول من 39 الى 56 من ظ ل ع .
ويتم ربط الضعف بمقتضيات الفصل 54 الذي يعتبر من الفصول المنظمة لعيوب الإرادة كما أشرنا الى ذلك[17] ، الذي ينص على “أسباب الإبطال المبنية على حالة المرض والحالات الأخرى المشابهة متروكة لتقدير القضاة”.
هذا الفصل كان محط تأويلات مختلفة ، فأستاذنا أحمد شكري السباعي يقول ” الوقع أن قانون الالتزامات والعقود المغربي أقر مبدأ نظرية الغبن الاستغلالي وذلك في المادة 54 “[18] ، وسبق للأستاذ مأمون الكزبري أن قال بنفس التأويل[19]، وهو نفس توجه أستاذنا عبد القادر العرعاري[20].
غير أن أستاذنا أحمد ادريوش نقد هذا التأويل الذي يربط الفصل 54 بنظرية الغبن الاستغلالي[21].
وعليه فإن هذا الفصل هو الذي يعكس الضعف في إطار عيوب الإرادة ، ومنه يمكن تحديد حالات الضعف فيما يلي :
– المرض : هو كل التوترات النفسية والعقلية والعصبية التي تتسبب في إنهيار إرادة المتعاقد سواء كان المرض مزمنا أو متقطعا[22].
– الحاجة الماسة : هي كل ضائقة أكانت هذه الضائقة تهدد الشخص من الناحية الاقتصادية أو في حياته وصحته ، أو حتى شرفه[23].
– الطيش البين : هو التسرع وعدم التبصر بالعواقب أخفة لا يستطع صاحبها على تقدير الأمور تقديرا سليما[24].
– الهوى الجامح : هو الرغبة الشديدة التي تستحوذ على الإنسان فيجد نقسه مدفوعة الى الرضوخ لكل ما تفرضه[25].
ويشر بعض الفقه الى حالات أخرى : الجهل وعدم الخبرة وحالة السكر[26]، كما أن اتجاه أخر يستبعد حالة السكر من الحالات المشابهة للمرض[27].
والحالات المشابهة كما تم تعريفها هي حالة المرض المؤثر على الإدراك والتمييز إن لم يعدمهما وحالة العاهات الطبيعية المؤثرة على التعبير عن الإرادة أي على الفهم والإفهام وحالة الإختلالات المتقطعة للقوى العقلية[28].
يمكننا الإشارة الى بعض التطبيقات الفصل 54 كما يلي :
–       حالة القرض بفائدة مرتفعة في الفصل 878 من ظ ل ق.
–       حالة العقود التي يتم إبرامها وقت الضرورة في الفصل 306 من قانون التجارة البحرية
–       حالة الاشتراك مع الاستفادة من شرط الأسد في الفصل 1034 من ظ ل ق
يتضح إذن أن مقتضيات الفصل 54 هي التي شكلت نقطة انطلاق أو أصل نظرية استغلال الضعف او الجهل في الشق المتعلق بالضعف ، ينضاف إليها المقتضيات المتعلقة بحالتي نقصان وانعدام الأهلية.
كل هذه المعطيات ساهمت في تطور هذه النظرية بشكل الذي جاءت عليه في إطار قانون 08.31 ، ليظل السؤال المطروح عن نشأة وتطور الجهل كشق ثاني من هذه النظرية ، وهو ما نعرض له في المطلب التالي.
المطلب الثاني : موقع الجهل في صحة التراضي
تتمة لما سبق التطرق إليه سنستعرض في هذا المطلب موقع الجهل في القواعد العامة،
تجدر الإشارة إلى أن هناك ارتباط بين مفهوم الجهل و مفهوم الأمية ، و بالرجوع إلى القواعد العامة نجد أن المشرع لم يتعرض لمسألة الأمية إلا في الفصل 427 من قانون الالتزامات و العقود و قد نص هذا الفصل على أن : ” المحررات المتضمنة لالتزامات أشخاص أميين لا تكون لها قيمة إلا إذا تلقاها موثقون أو موظفون مأذون لهم بذلك “.
غير أن هذا الفصل لم يحدد مفهوم الأمي ، و حسب المقتضيات الواردة فيه يعتبر بعض الفقه أن الأمي “هو الذي يجهل الكتابة و بالتالي لا يحسن التوقيع ” على اعتبار أن التوقيع جزء من الكتابة ، كما أن القضاء المغربي من خلال قرار محكمة الاستئناف بالرباط الصادر بتاريخ 12 مارس 1994 “اعتبر أن الأمي الوارد في الفصل 427 من ق ل ع هو الشخص الذي يجهل الإمضاء ” و تم توجيه انتقادات حول هذا الرأي بحيث كان للمحكمة الإقليمية بالرباط رأي آخر باعتبار أن الأمي هو الذي يجهل مضمون الوثيقة الموقع عليها[29] و ذلك من خلال قرار المجلس الأعلى عدد 777 صادر بتاريخ 15 دجنبر  1976
لكن عاد المجلس الأعلى و عدل عن هذا الموقف و خرج عن القاعدة التي قررها في الفترات السابقة، حيث اعتبر أن الأمي ليس هو الذي يجهل الإمضاء أو يجهل مضمون الوثيقة و إنما هو الذي لا يعرف اللغة التي حرر بها العقد.
ويستشف من ذلك أن المجلس الأعلى بهذا القرار قد اعتمد على مفهوم واسع للأمية ، مما يؤدي معه إلى إضفاء صفة الأمية على غير الأميين ، فحسب منطوق هذا القرار فالعارف باللغة العربية يعتبر أميا نظرا لجهله اللغة الأجنبية التي حرر بها العقد و العكس صحيح.
و من خلال كل ما سبق نستنتج أن الجهل يختلف من شخص إلى آخر ، بحيث أن كل شخص لديه مؤهلاته و قدراته في الفهم إلخ … و بالتالي فالمعيار الشخصي هو الذي يعتمد عليه في تحديد عنصر الجهل و ليس الموضوعي فالعقد ليس هو المحدد و لكن الشخص بحد ذاته المستهلك يختلف من مستهلك إلى آخر .

المبحث الثاني : تفصيل نظرية استغلال ضعف أو جهل المستهلك في إطار قانون  31.08

سنحاول الوقوف في هذا المبحث على معالجة و قراءة المادة  59
في المطلب الاول، على ان نناقش مختلف الجزاءات المترتبة عن تحقق استغلال ضعف أو جهل المستهلك في المطلب الثاني.
المطلب الأول : قراءة في مضمون المادة 59 من قانون تدابير حماية المستهلك
تنص المادة 59 من قانون 31.08 على أنه : “يقع باطلا بقوة القانون كل التزام نشأ بفعل استغلال ضعف أو جهل المستهلك مع حفظ حقه في استرجاع المبالغ المؤداة من طرفه و تعويضه عن الاضرار اللاحقة”.
باستقرائنا لهذه المادة ، ما يمكن قوله هو أن بهذه المادة ولو أنها الوحيدة استطاع المشرع من خلالها توفير حماية للمستهلك ، ذلك أن الجديد الذي أتى به هذا القانون قيد الدراسة أي 31.08 هو مصطلحي الضعف و الجهل لدى المستهلك ، فالذي لم تحط به أو لم تبلغه النظرية التقليدية أو القواعد العامة تطرق له هذا القانون ، حيث بهذا المقتضى الجديد استطاع المشرع تطوير نظرية الاستغلال ، فهذا التمديد جاء ليشمل المستهلك الذي به ضعف أو جهل ، و هنا سنفتح قوس فيما يخص “مفهوم المستهلك ” ، من المعلوم أن كل من يباشر فعل الاستهلاك يعد مستهلكا ، و بتعبير آخر إن مفهوم المستهلك يضم كل شرائح المجتمع بدون استثناء ، بل و إنه يطلق بشكل خاص على الافراد الذين هم في حالة ضعف أو في ظل ظروف لا تسمح لهم بالاحاطة بكل الجزئيات الدقيقة للمواد التي يستهلكونها ، فقانون الاستهلاك وجد لحماية الجميع ، بمن فيهم الساذج ، و الجاهل ، و السفيه و الطائش و المعوق و غيرهم ممن ينطبق عليهم نفس الوصف ، و لم يتم وضعه للإعتناء بالخبراء أو العارفين بخبايا الامور.
وهو الأمر الذي تؤكده استئنافية بروكسيل في قرارها الصادر بتاريخ 2 نونبر 1989[30] ، الذي يقضي بأن “قانون الاستهلاك لم يوضع لحماية المستهلك اليقظ و المتنبه ، و لكن على العكس من ذلك ، فهو وضع لحماية المستهلكين الذين يتميزون بضعف الادراك و التكوين ”  فالمعيار الثابت لمفهوم المستهلك الذي استقر عليه القضاء البلجيكي ، معيار المستهلك العادي [31]
Le consommateur moyen
ومن المعلوم أن عجز الانسان يقاس إما بحسب سنه ، أو ضعف مستواه العلمي أو لقلة تجاربه في الحياة ، أو نتيجة لفقره و عجزه المادي ، أو بكل بساطة لعدم قدرته على فهم و إدراك بعض الأشياء ، و بالتالي فإنه يكون غير قادر على التصرف بشكل عادي ، و الفرد الذي يوجد في إحدى هذه الحالات هو الأولى بالحماية القانونية من غيره و لكن ليس بالضرورة أن يكون المستهلك ناقص أو عديم الأهلية ، لتنطبق عليه صفات الضعف أو الجهل أو العجز ، بل قد يكون كامل الأهلية قادرا على إبرام جميع التصرفات بنفسه ، ورغم ذلك فهو يستحق الاستفادة من أحكام قانون الإستهلاك .
ونأخذ على سبيل المثال “عقد التأمين” فالمستهلك هنا يمكن أن يتجلى ضعفه أو جهله هنا بشروط هذا العقد أو مثلا شخص بحاجة إلى قرض فيتم استغلال ضعف إدراكه أو عدم تجربته فيتم فرض عليه فوائد مرتفعة.
برجوعنا إلى المادة 59 ، فالحماية المقررة في هذه المادة تتجلى في
أولا : يتم بطلان الالتزام بقوة القانون الذي نشأ نتيجة استغلال المهني المحترف للوضعية الهشة لدى المستهلك و التي كما استعرضنا قبل قليل تتمثل في مظاهر الضعف و الجهل لديه إلخ … لكن ما ينبغي الاشارة إليه هو أن البطلان المتحدث عنه هنا في ظل هذه المادة هو بطلان الالتزام الذي يشكل خلل و استغلال في العقد و ليس بطلان العقد بالكامل ، فالمستهلك كما هو معلوم بحاجة لهذه الخدمة أو السلعة و بالتالي لا يمكن بطلان العقد و إنما يتم معالجة الخلل فقط في هذا الأخير قد يتجلى في وجود شرط مجحف يتم استغلال به ضعف مدارك هذا المستهلك و جهله و هنا تتجلى خصوصية هذا القانون 31.08[32] عن القواعد العامة هذا من جهة ، ومن جهة أخرى يتم استرجاع المبالغ المؤداة من قبله : استرجاع ثمن السلعة أو الخدمة المؤداة ، بالاضافة إلى كل ذلك هناك تعويض الذي قررته المادة ، و هذا هو جديد القانون 31.08 حيث لم يقتصر المشرع هنا على بطلان الالتزام و استرجاع الثمن بل تعدى ذلك إلى تعويض المستهلك المتضرر.
من خلال مضمون المادة 59 من قانون رقم 08-31 القاضي بتحديد تدابير حماية المستهلك أن الشخص الذي يتعاقد بدافع الضعف أو الجهل يكون العقد الذي أبرمه مع المهني باطلا بقوة القانون، بالرغم من منطوق هذه المادة فإنها تظل منتقدة من قبل الأستاذ عبد القادر العرعاري ، الذي يرى بأن تخصيص المشرع لهذه النظرية مادة وحيدة معزول عن غيرها فريدة كان ذلك دليلا على الرغبة في تهميش هذه النظرية ، ويرى أن الصياغة المقتضبة لهذه المادة لا تستجيب للطموحات والآمال التي كانت معلقة على قانون الإستهلاك في إطار تطوير نظرية الإستغلال والرقي بها إلى الحد الذي يضمن حماية المستهلك المحتاج قليل الخبرة ، أو الذي يكون على قدر من الجهل الذي يسهل على المهني مأمورية إستغلاله بسهولة ، وكما أن هذه النظرية لم تصل إلى الحد الذي وصلته النصوص المتعلقة بنظرية الإستغلال الواردة في ق.ل.ع.م[33]
الجدير بالذكر، أن قانون 31.08 قد حاول توفير حماية قصوى للمستهلك ، و كما يتضح من المادة 59 ، فإن المشرع عمل على تدعيم الجزاء المدني عن الالتزام الناشئ عن استغلال ضعف أو جهل المستهلك المتمثل في البطلان و التعويض بجزاء جنائي تنص عليه المادة 184 من نفس القانون و التي سيتم معالجتها في المطلب الثاني.
المطلب الثاني: الجزاءات المدنية و الجنائية لإستغلال ضعف أو جهل المستهلك
الفقرة الأولى : الجزاءات المدنية لإستغلال ضعف أو جهل المستهلك
– بالرجوع الى مقتضيات المادة 59 من قانون 08-31 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك نجده ينص (( يقع باطلا بقوة القانون كل إلتزام نشأ بفعل إستغلال ضعف أو جهل المستهلك ، مع حفظ حقه في استرجاع المبالغ المؤادة من طرفه، وتعويضه عن الأضرار اللاحقة )).
– الملاحظ أن المشرع رتب البطلان القانوني أي بقوة القانون عن كل  إلتزام تم فيه إستغلال ضعف أو جهل المستهلك ورتب آثار على هذا البطلان و هي :
1- استرجاع المبالغ المؤداة.
2- الحق في التعويض عن الأضرار .
و استرجاع المبالغ المؤادة يعني حتما إسترجاع الثمن و الصوائر و المصاريف التي أنفقها المتعاقد – المستهلك- و تعويضه عن كل الأضرار اللاحقة به و هذه هي ميزة أساسية ينفرد بها هذا القانون على أساس أن الإلتزام الباطل لا يرتب حقا في التعويض إلا ارجاع الحالة الى ما كانت عليه قبل مرحلة التعاقد ما لم يتعلق الأمر بحالات خاصة كما هو الشأن بالنسبة للعقود المستمرة .. و التعويض المقصود به في المادة 59 قد يكون ماديا أو معنويا أو حتى أدبيا لأن سكوت المشرع عن تحديد طبيعة و نوع هذه الأضرار يعطي للقضاء سلطة تقديرية في تحديدهما وتقدير حجمه دون أن تكون هذه السلطة خاضعة لرقابة محكمة النقض إلا فيما يتعلق بالتعليل من الناحيتين الواقعية و القانونية .
–  و لفهم البطلان كجزاء مدني لا بد من الرجوع الى أحكام قانون الإلتزامات و العقود و بالضبط الى القسم الخامس منه الباب الأول الخاص ببطلان الإلتزامات حيث نظمه من الفصل 306 الى غاية الفصل 310 حيث أكد على أن  الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له  ويكون الالتزام باطلا بقوة القانون، إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه؛أو إذا قرره القانون في حالة خاصة بطلانه.
–  و أن بطلان الالتزام الأصلي يترتب عليه بطلان الالتزامات التابعة ما لم يظهر العكس من القانون أو من طبيعة الالتزام التابع في حين أن بطلان الالتزام التابع لا يترتب عليه بطلان الالتزام الأصلي.
و أشار الفصل 308 من نفس القانون على أن بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان، وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائما باعتباره عقدا متميزا عن العقد الأصلي، في حين إذا بطل الالتزام باعتبار ذاته وكان به من الشروط ما يصح به التزام آخر جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام الأخير.
– أما الفصل 310 من نفس القانون فقد اعتبر أن إجازة الالتزام الباطل بقوة القانون أو التصديق عليه لا يكون لهما أدنى أثر.
– و الملاحظ من خلال قراءة لأحكام البطلان والآثار المترتبة عنه كما هي منصوص عليها في قانون الإلتزامات و العقود أن المشرع من خلال قانون تحديد تدابير حماية المستهلك الذي رتب البطلان عن الإلتزام الناشئ بفعل إستغلال ضعف أو جهل المستهلك جعله في مصاف تخلف الأركان الأساسية لصحة الإلتزامات الناشئة عن الإرادة و هي انعدام الأهلية و تخلف الرضى ، تخلف المحل ، عدم المشروعية ،خرق قواعد النظام العام و الأداب العامة ، تخلف الشكل في العقود الشكلية و التسليم في العقود العينية .
– و إذا كان الالتزام الباطل يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان فإن الإشكالية تثار بخصوص الجهة أو  الأشخاص الذين يحقون لهم الدفع بالبطلان .
– المشرع المغربي لم يحدد بشكل صريح الأشخاص الذين يحق لهم إقامة دعوى البطلان و إن كان الأمر في الوهلة الأولى يبدو عاديا و أمرا مسلما ما دام الأمر يتعلق بالنظام العام حيث يجوز لكل طرف التمسك به بمن فيهم جمعيات حماية المستهلك ذات الطابع النفعي أو إثارته تلقائيا من طرف المحكمة و فق المقتضيات و المبادئ العامة التي تحكم الدعوى في حين نجد المشرع  الإسباني قد حددهم بشكل صريح و بنصوص قانونية تحديدا في المادة 1302  في الأشخاص الملتزمون بصفة رئيسية أو احتياطية بتنفيذ العقد الباطل و أضاف القضاء الإسباني فئة أخرى و هم جميع الأشخاص المتضررون .
–  أما المشرع المصري فقد نص في المادة 141 على أنه (( إذا كان العقد باطلا جاز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان و للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها ، و لا يزول البطلان بالإجازة ))  .
– و بالرجوع الى مقتضيات المادة 59 أعلاه و للطابع الحمائي و الوظيفي اللذان يميزان قانون حماية المستهلك و  مدى ارتباطه و علاقته بالنظام العام و نظرا لكونه قانون متطور أكثر مما يمكن توفره القواعد العامة من حقوق وضمانات فإن يسوغ القول أنه لكل ذي مصلحة متى توفرت فيه صفات المستهلك أن يثير و يتمسك ببطلان الإلتزام و على الطرف المهني – المدعى عليه- أن يثبت العكس و لا يجوز للقاضي تبعا لذلك في أن يبحث فيما يعتبر معدوما قانونا .
الفقرة الثانية : الجزاءات الجنائية لإستغلال ضعف أو جهل المستهلك
مادام أن العقود بصفة عامة تتميز باختلال التوازن العقدي بين أطراف العلاقة التعاقدية، و باعتبار  التفوق الاقتصادي  والقوة الاحتكارية  للمهنيين، و نظرا لما تعرفه الصناعة من تطور متسارع يصعب على المستهلكين مواكبة المتغيرات من أجل الإطلاع والتعرف على المنتوجات والسلع،و من ثم يستغل المهني جهل و قلة تجربتهم ، وعدم درايتهم بالأمور القانونية والتقنية، إضافة إلى ضعفهم الاقتصادي والحاجة الضرورية الماسة إلى الخدمة مما يؤدي به إلى إقحام شروط لا يمكن للمستهلك إلا القبول بها فإن المشرع سعيا منه في توفير حماية أكثر  قد أقر الى جانب التوازن المعرفي بين طرفي العقد الى ترتيب الجزاء الجنائي في شقيه العقابي الزجري و كذا المالي و هو إقرار عقوبات مالية تصاعدية عبارة عن غرامات أي أن المشرع عمل على تدعيم الجزاء المدني عن الالتزام الناشئ عن استغلال ضعف أو جهل المستهلك والمتمثل في البطلان، بجزاء جنائي يتمثل في الحبس و الغرامة .
وهكذا نصت المادة 184 من قانون 31.08 على المعاقبة على مخالفة أحكام المادة 59 والمتعلقة باستغلال ضعف المستهلك، على أنه ” يعاقب على مخالفة أحكام المادة 59 المتعلقة بإستغلال ضعف المستهلك أو جهله بالحبس من شهر 5 سنوات ، و بغرامة من 1200 درهم إلى 50.000 درهم أو إحدى هاتين العقوبتين فقط و ذلك دون الإخلال بأحكام الفصل 552 من  القانون الجنائي .و إذا كان المخالف شخصا معنويا يعاقب بغرامة ما بين 500.000 درهم و1.000.000 درهم.”
وبالرجوع لمقتضيات الفصل 552 من القانون الجنائي نجده على أنه (( من استغل حاجة قاصر دون الواحدة والعشرين أو بالغا فاقد الأهلية أو محجوزا أو استغل أهواءه أو عدم خبرته ليحصل منه على التزام أو إبراء أو أي سند يمس ذمته المالية إضرارا به، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من 200 إلى 2000 درهم.
وإذا كان المجني عليه تحت سلطة الجاني أو تحت إشرافه أو تحت رعايته رفعت العقوبة إلى الحبس من سنة إلى خمس سنوات والغرامة من 250 إلى 3000 درهم”
وقد أدانت الغرفة الجنائية بمحكمة النقض الفرنسية  من خلال قرارها الصادر في 13 يناير 2016 في الملف رقم 14-87-045 و كيل التأمين الذي استغل ضعف المستوى الدراسي لزبونته و معاناتها مع وضعي نفسي في فهم و استيعاب معدل تحويل الفرنك للأورو و دفعها للتعاقد .
لائحة المراجع
– القانون رقم 31.08 المتعلق بتحديد تدبير حماية المستهلك الصادر بتنفيذه ظ ش رقم 1.11.03 بتاريخ 18/02/2011 ج ر عدد 5932 بتاريخ 7 ابريل 2011 ص 1072.
– مأمون الكزبري ، نظرية الالتزامات في ضوء ق ل ع المغربي الجزء الاول مصادر الالتزام ، طبعة 1968 .
– أحمد شكري السباعي ، نظرية بطلان العقود وإبطالها في ق ل  ع ، طبعة 1971.
– عبد القادر العرعاري  ، مصادر الالتزامات الكتاب الاول نظرية العقد ، الطبعة الثالثة 2013 ، طبع مطبعة الامنية والنشر لدار الامان – الرباط .
– أحمد ادريوش ، المرض كسبب لإبطال التصرف القانوني ، الطبعة الثالثة 2016 منشورات سلسلة المعرفة القانونية ، مطبعة الامنية –الرباط
– يوسف الزوجال ، المنظومة الحمائية للمستهلك في عقود الخدمات عقد التأمين نموذجا ، دار الامان
– ابتسام بوتكنوين ، حماية المستهلك من الاستغلال عند التعاقد ، رسالة لنيل الماستر في القانون الخاص ، جامعة محمد الخامس – اكدال ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – الرباط 2012/2013 .
– عبد القادر العرعاري ، قراءة انطباعية أولية بخصوص القانون رقم 08.31 المتعلق بحماية المستهلك ، مقال منشور في سلسلة دراسات وابحاث العدد 4 خاص بحماية المستهلك ، ص 11 وما بعدها.
– عبد القادر العرعاري ، أسطورة الحماية القانونية للمستهلك في النظام التشريعي المغربي ، مقال منشور في وجهة نظر خاصة في مادة القانون المدني المعمق بين الفقه والقضاء الطبعة الأولى 2010 طبع مطبعة الأمنية  الرباط والنشر لدار الأمان.
– الاستاذ مهدي منير : المظاهر القانونية لحماية المستهلك ” أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص”
– الدكتور عبد المهيمن حمزة : في المحاضرة الملقاة فيما يخص هذا العرض بتاريخ 2016/11/23 “توضيح البطلان المتحدث عنه في المادة 59 من القانون 31.08”
—————————————————————————————————————————-
[1]  معجم المعاني على شبكة الانترنت في 10 نونبر 2016 على الساعة 4 زوالا .
[2]  عبد القادر العرعاري  ، مصادر الالتزامات الكتاب الاول نظرية العقد ، الطبعة الثالثة 2013 ، طبع مطبعة الامنية والنشر لدار الامان – الرباط ص 174.
[3]  معجم م س
[4]  ابتسام بوتكنوين ، حماية المستهلك من الاستغلال عند التعاقد ، رسالة لنيل الماستر في القانون الخاص ، جامعة محمد الخامس – اكدال ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – الرباط 2012/2013 ص 22 وما بعدها .
[5]  يوسف الزوجال ، المنظومة الحمائية للمستهلك في عقود الخدمات عقد التأمين نموذجا ، دار الامان ص 91 وما بعدها .
[6]  ابتسام بوتكنوين ، م س ، ص 25 وما بعدها .
[7]  معجم المعاني ، م س.
[8]  ابتسام بوتكنوين  ، م س ، ص 33.
[9]
[10]  الصادر بتنفيذه ظ ش رقم 1.11.03 بتاريخ 18/02/2011 ج ر عدد 5932 بتاريخ 7 ابريل 2011 ص 1072.
[11]  للاطلاع على الاعمال التحضرية لهذه المادة يرجع ابتسام بوتكنوين ، م س ، ص 3 وما بعدها
[12]  أورده عبد القادر العرعاري ، م س ، ص 125.
[13]  المادة 207 من مدونة الأسرة.
[14]  المادة 208 من مدونة الاسرة
[15]  عبد القادر العرعاري ، م س ص 127.
[16] لتوسع فيهما أنظر ن م ص 133 وما بعدها .
[17]  عبد القادر العرعاري ، قراءة انطباعية أولية بخصوص القانون رقم 08.31 المتعلق بحماية المستهلك ، سلسلة دراسات وابحاث العدد 4 خاص بحماية المستهلك ، ص 11 وما بعدها ، وايضا ابتسام بوتكنوين ، م س ص 7 وما بعدها .
[18]  أحمد شكري السباعي ، نظرية بطلان العقود وإبطالها في ق ل  ع ، طبعة 1971 ص 309 .
[19]  مأمون الكزبري ، نظرية الالتزامات في ضوء ق ل ع المغربي الجزء الاول مصادر الالتزام ، طبعة 1968 ص 157.
[20]  عبد القادر العرعاري ، م س ، ص 174 وما بعدها .
[21]  أحمد ادريوش ، المرض كسبب لإبطال التصرف القانوني ، الطبعة الثالثة 2016 منشورات سلسلة المعرفة القانونية ، مطبعة الامنية –الرباط ص 23 وما بعدها .
[22]  عبد القادر العرعاري ، نظرية العقد م س ص175.
[23]  ادريس العلوي العبدلاوي اوردته ابتسام بوتكنوين ، م س ص 28و29.
[24]  ن م ص 29.
[25]  ن م ص 30 .
[26]  عبد القادر العرعاري ، نظرية العقد م س  ص176
[27]  أحمد ادريوش ، م س ص 76 وما بعدها .
[28]  ن م ص 75
[29]  يوسف الزوجال ، المنظومة الحمائية للمستهلك في عقود الخدمات عقد التأمين نموذجا ، دار الامان ص 91 وما بعدها .
المظاهر القانونية لحماية المستهلك : لنيل الدكتوراه في القانون الخاص أطروحة  الاستاذ مهدي منير-  [30]
الاستاذ مهدي منير مرجع سابق –  [31]
32 -الدكتور عبد المهيمن حمزة : في المحاضرة الملقاة فيما يخص هذا العرض بتاريخ 2016/11/23 “توضيح البطلان المتحدث عنه في المادة 59 من القانون 31.08”
ص:203- 204     نظرية العقد، دراسة مقارنة على ضوء التعديلات الجديدة   :  أنظر عبد القادر العرعاري-33
قراءة انطباعية أولية بخصوص القانون رقم 08-31 المتعلق بحماية المستهلك، سلسلة ” دراسات وأبحاث”، منشورات مجلة القضاء المدني مطبعة المعارف الجديدة الرباط السنة 2014،ص:18

عن safae wazani

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.